facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 182637
    تاريخ نشره : 5/13/2016 1:14:52 PM

    المعارف الإسلامیّة (178) الإسلام و حقوق الأخلاقی (23)

    مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

       

    التاریخ: 13/5/2016

    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.


    حدّثنا الإمام زين العابدين(ع) عن الكثير من الحقوق، أحدها حق الأم، الذي يحتلّ مكانة خاصة بين سائر الحقوق لأهميته القصوى.

    لو تَفَكّرنا في محبّة الأم سنجد أنّها تَنْبَع من كلّ كيانها، وأن اهتمامها بأطفالها لا يعرف ليلاً ولا نهاراَ، وهذه المحبة هي التي تَحْدُوها على تفضيل راحتهم ولو كان في ذلك إرهاقُها. تعاليمنا الدينية تذكر لنا أن حق الأم عظيمٌ جداً لا يمكن أداؤه، ومع أنّ محبة الأم لا يمكن مقارنتها بمحبة الله سبحانه وتعالى، إلا أنّها تبقى إحدى تجلّيات هذه المحبة.

    ولذا كان حق الأم أوّل حقوق الأقارب التي ذكرها إمامنا(ع) حيث قال: «فَحَقُّ أُمِّكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَداً وَ أَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لَا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَداً وَ أَنَّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَ بَصَرِهَا وَ يَدِهَا وَ رِجْلِهَا وَ شَعْرِهَا وَ بَشَرِهَا وَ جَمِيعِ جَوَارِحِهَا مُسْتَبْشِرَةً بِذَلِكَ فَرِحَةً مُوَابِلَةً  مُحْتَمِلَةً لِمَا فِيهِ مَكْرُوهُهَا وَ أَلَمُهَا وَ ثِقْلُهَا وَ غَمُّهَا حَتَّى دَفَعَتْهَا عَنْكَ يَدُ الْقُدْرَةِ وَ أَخْرَجَتْكَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَ تَجُوعَ هِيَ وَ تَكْسُوَكَ وَ تَعْرَى وَ تُرْوِيَكَ وَ تَظْمَأَ وَ تُظِلَّكَ وَ تَضْحَى وَ تُنَعِّمَكَ بِبُؤْسِهَا وَ تُلَذِّذَكَ بِالنَّوْمِ بِأَرَقِهَا وَ كَانَ بَطْنُهَا لَكَ وِعَاءً وَ حَجْرُهَا لَكَ حِوَاءً وَ ثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً وَ نَفْسُهَا لَكَ وِقَاءً تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنْيَا وَ بَرْدَهَا لَكَ وَ دُونَكَ فَتَشْكُرُهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَ تَوْفِيقِه».[1]


    بيان معاني كلمة "أم" في القرآن

    وَرَدَت كلمةُ "أمّ" في القرآن بِعِدّةِ معانٍ، فمنها بمعنى "الأصل والركن"، كما في "أم الكتاب" في الآية «هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ»[2]، فهُنا أم الكتاب تعني صّرَاحَةَ الآيات ووضوحَها. كما جاءت هذه الكلمة بمعنى معظم الشيء و مركز الشيء كما في "أم القرى" من الآية «وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏»[3] فـ "أم القرى" هنا بمعنى مكة. و جاءت بمعنى "الأم الحقيقية" كما في الآية «وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعيه‏»[4].

    فالمعنى هو أن الأم بمثابة الأصل والشجرة، والأولاد كالأغْصَان النابتة منها، وكلّما كان الأصل أشرف وأفضل كان الفرع كذلك.

    واضحٌ إذن أن للأم دوراً كبيراً في تركيبة الولد، وذلك لدورها المهم من الحمل إلى الرضاعة، وهو ما أشار إليه القرآن، وأمر الله الأولاد بالشكر عليه: «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ (تحمّلت الأم العناء تلو العناء) وَ فِصالُهُ في‏ عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لي‏ وَ لِوالِدَيْكَ».[5]

    احترام الوالدين من الوصايا الأكيدة في القرآن الكريم. كيف لا و الأم تبذل كلَّ ما في وسعها لتربية طفلها، وتبلغ أعلى مراتب التضحية من أجله، وتجدها تحبّ هذا الطفل حباً عارماً، لكنّها في نفس الوقت تُسَلّمه إلى الطبيب إذا مَرِضَ، وتتحمّل الأعمال القاسية من أجل شفائه والحِفاظ على حياته.


    عندما تربّي الأم أَولادَها تربيةً صالحةً، فهي تقدّم للمجتمع أفراداً ناجحين، وهي بذلك تفتح الأمر أمام الأولاد باب المنازل العالية في الجنة، وهذا من أعظم بركات وجود الأم، ولهذا قال نبينا الأكرم(ص): «الجَنَّةُ تَحتَ‏ أقدامِ‏ الامَّهات».[6]  كما جاء في روايةٍ أخرى أنّه «جَاءَ رَجُلٌ‏ إِلَى‏ النَّبِيِ‏ صلی الله علیه و آله، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ (أي إلى من أُحسِن؟) قَالَ أُمَّكَ‏! قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ‏ أُمَّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أَبَاكَ».[7] كما جاء في رواية أن نبي الله موسى(ع) قال «يَا رَبِّ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيكَ بِي فَقَالَ يَا رَبِّ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيكَ بِي ثَلَاثاً قَالَ يَا رَبِّ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيكَ بِأُمِّكَ قَالَ يَا رَبِّ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيكَ بِأُمِّكَ قَالَ أَوْصِنِي قَالَ أُوصِيكَ‏ بِأَبِيك‏‏».[8]

    نستنتج من مُجْمَل تعاليم القرآن والروايات أن الإهتمام بالأم وخدمتها وإرضاءَها أمورٌ على درجة عاليةٍ من الأهمية، ولا يَتَصَوَّرَنَّ أحدٌ أنّ بإمكانِه أداء حق الأم عبر خدمته لها، فلو قضى عمره كله في خدمتها، لن يؤدي شطراً من حقّها وشكرها. هذه العظمة التي تُكلّل مقام الأُمُومَةِ، إنما تذكير للإنسان بأصله، لعله يعرف قدر هذه النعمة الكبرى، فيسعى جاهداً للعمل بوصية الله عز و جل بالوالدين. وإنّه لَمِنَ المُحزِنِ أن نرى في هذا العصر أن هذا الحق العظيم لَفّهُ النسيان و شمله الإهمال، وأن نرى ضياع حق الأم في الكثير من العائلات.


    حق الأب

    في الفقرة التالية يذكر الإمام زين العابدين(ع) حق الأب، ويؤكّد على شدة أهميته، وأنّ على الإنسان أن يعلم أن الأب هو الأصل، وهو الفرع، ولولاه لما أفاض الله عليه هذا الوجود، فيقول إمامنا(ع): «وَ أَمَّا حَقُّ أَبِيكَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْلُكَ وَ أَنَّكَ فَرْعُهُ وَ أَنَّكَ لَوْلَاهُ لَمْ تَكُنْ فَمَهْمَا رَأَيْتَ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ‏ فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ وَ احْمَدِ اللَّهَ وَ اشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَ لاقُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه‏».[9]

    لذا على الإنسان أن يعرف قدر هذه النعمة الإلهية الكبرى وأن يشكره عليها بقدر وسعه، رعاية الأدب مع الأب أحد أشكال هذا الشكر، كما أوصى رسول الله(ص) عندما سأله رجل: « مَا حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ قَالَ (ص): لَا يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ وَ لَا يَمْشِي‏ بَيْنَ‏ يَدَيْهِ‏ وَ لَايَجْلِسُ قَبْلَهُ وَ لَا يَسْتَسِبُّ لَهُ».[10] وفي رواية أخرى أن رجلاً سأل الإمام الصادق(ع): «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام إِنَّ أَبِي قَدْ كَبِرَ جِدّاً وَ ضَعُفَ فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ فَقَالَ‏ إِنِ‏ اسْتَطَعْتَ‏ أَنْ تَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ فَافْعَلْ وَ لَقِّمْهُ بِيَدِكَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ لَكَ غَداً».[11]

    وعليه، لا ينبغي لأحدٍ أبداً أن يجرح مشاعر والديه من أجل راحته الشخصيّة، ويجب تَجَنّب كلّ ما يؤذيهما، وعليه الإحسان إليهما في كل حال، وإن لم يُحسنا إليه، فقد قال الإمام الباقر(ع) في هذا المجال: «ثَلَاثٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأَحَدٍ فِيهِنَّ رُخْصَةً أَدَاءُ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ وَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ لِلْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بَرَّيْنِ كَانَا أَوْ فَاجِرَيْنِ».[12] إن احترام الوالدين على درجة عاليةٍ من القداسة، فَمُجرَّد النظر إليهم نظرة غضب وكره ممنوعة، وهذا مانعٌ من قبول الصلاة بحسب تعاليم الإسلام، حيث قال الإمام الصادق(ع): «مَنْ‏ نَظَرَ إِلَى‏ أَبَوَيْهِ‏ نَظَرَ مَاقِتٍ وَ هُمَا ظَالِمَانِ‏ لَهُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً».[13]

    نسأل الله عز وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق و أداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم و يجلون أبصارَهم، ويحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة. و نسأل الله أن یُقَوّي روح الإيمان فینا جمیعًا فنسعى لسد حاجة الفقراء، ونسأله التوفيق للمزيد من خشیته و طاعته  والمحبّة له و لأولیائه ونسأله برحمته أن يجعلنا من المتخلقين بأحسن الأخلاق تجاه عباده، ونشكره علی ما هدانا ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                             آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                             والسلام علیكم و رحمة اللهوبركاته



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص263، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [2]. آل عمران/7.

    [3]. الشوری/7.

    [4]. القصص/7.

    [5]. لقمان/14.

    [6]. الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج8، ص11، بیروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، چ الأولى، 1415ق. و محمّد بن سلامة القضاعی، مسند الشهاب، ج1، ص102، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، بیروت، چ الثانية، 1407ق. و إبن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ج6، ص128، بیروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، چ الثانية،1390ق.

    [7]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص159، ح9، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [8]. ابن بابويه، محمد بن على، الأمالي (للصدوق)، ص511، ح5، تهران، كتابچى، چ ششم، 1376ش.

    [9]. ابن شعبه حرانى، تحف العقول، ص263

    [10]. کلینی، الکافی، ج2، ص158، ح5.

    [11]. همان، ص162، ح13.

    [12]. همان، ح15.

    [13]. همان، ص349، ح5.



    تعليق



    عرض غير العامة