facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 182749
    تاريخ نشره : 6/10/2016 5:27:21 PM

    المعارف الإسلامیّة (181) الإسلام و حقوق الأخلاقی (26)

                                        
    التاریخ: 17.06.2016

     بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    الإحسان و صنع المعروف أحد أهم المبادئ الأخلاقية، بل القوانين الذهبية في الأخلاق، والجميع يعترف بمكانته العالية. ولا شكّ أن أي إنسان عقائدي يؤمن بأن هذا الأصل الأخلاقي له دور كبير في التكامل المعنوي للمجتمع وفي حل مشاكل البشرية، وهذا ما يدفع للسعي إلى ترسيخه في ثقافة الناس لنشهد انتشار الجمال الأخلاقي.

    أهمية الإحسان في الآيات والروايات

    يقول الله عز وجل في كتابه الكريم «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسان».[1] إنّ هذين الأمرين اللذين أمرنا الله عز وجل بهما يؤمّنان لنا سعادة المجتمع وأمانه. والإحسان ـ كما لا يخفى ـ أعلى درجةً من العدل، فالعدل يعني قيام الإنسان بواجبه، ووضع الشيء في موضعه،[2] سواءٌ في الأمور التي تخصّه شخصياً أم تخصّ غيره. أما الإحسان فهو قيامُ الإنسانِ بأكثرَ ممّا فُرض عليه، فيعطي أكثر ويأخذ أقلّ، ويتنازل عن حقه للآخرين.[3]

    الإحسانُ عابرٌ للبشريّة، ممدوحٌ عند الله، وهو بحسب تفسير هذه الآية الكريمة «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسان؟!» [4] يشمل الإحسان في القول والعمل من أيّ شخصٍ كان، ففي رواية عن الإمام الصادق (ع) أنه قال‏: «آيَةٌ فِي‏ كِتَابِ‏ اللَّهِ‏ مُسَجَّلَةٌ (أي عامّة شاملة) قُلْتُ‏ مَا هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ‏ «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ»‏ جَرَتْ فِي الْكَافِرِ وَ الْمُؤْمِنِ وَ الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِهِ وَ لَيْسَتِ الْمُكَافَاةُ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صُنِعَ بِهِ بَلْ حَتَّى يَرَى مَعَ فِعْلِهِ لِذَلِكَ أَنَّ لَهُ الْفَضْلَ الْمُبْتَدَأ».[5]

     

    يقول إمامنا السجّاد(ع) في حق المحسن: «وَ أَمَّا حَقُ‏ ذِي‏ الْمَعْرُوفِ‏ عَلَيْكَ فَأَنْ تَشْكُرَهُ وَ تَذْكُرَ مَعْرُوفَهُ وَ تَنْشُرَ لَهُ الْمَقَالَةَ الْحَسَنَةَ وَ تُخْلِصَ لَهُ الدُّعَاءَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ قَدْ شَكَرْتَهُ سِرّاً وَ عَلَانِيَةً ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ مُكَافَأَتُهُ بِالْفِعْلِ كَافَأْتَهُ وَ إِلَّا كُنْتَ مُرْصِداً لَهُ مُوَطِّناً نَفْسَكَ عَلَيْهَا».[6]

    أشار الإمام زين العابدين(ع) في كلامه النوراني إلى عدة أمور مهمة في مراعاة حقّ المُحسن، منها: النقطة الأولى: شكر المحسن: فيتذكّر هذا الإحسان، ويَذكُره في كلامه لينشر الجمال، ويدعو لصاحب الإحسان، وبهذا يكون قد أدّى شُكْرَه سرّاً وعلانية.

    النقطة الثانية: أنّ على الإنسان السعي لردّ الجميل، وإذا عَجِز عن ذلك، عليه أن يَتَرَصَّدَ أقرب فُرصة. وعندما ينشغل الجميع بالإحسان أو بِرَدِّ الجميل، فمن الواضح أن المجتمع سَيَمْتَلِئُ بالحسنى والمعروف. وهذا ما تدعو إليه الآية الشريفة: «وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَسيباً»،[7] حيث تدعو إلى رد التحيّة بأحسن منها، أو مثلها بالحد الأدنى. وبالرغم من أن التحيّة المعروفة هي طريقة للتواصل مع الآخرين، إلا أننا نجد في التفسير عن الصادقين عليهما السلام: «أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحِيَّةِ فِی الآیةِ السَّلَامُ وَ غَيْرهُ مِنَ الْبِر».[8] فإذن، هذه الآية تعطينا قاعدة عامة يجب الإلتزام بها تجاه الإحسان اللفظي والعملي، ويُعّدُّ هذا النوع من الآيات من القوانين الذهبية في الأخلاق.

    من الواضح أن الناس لا تساوي بين الإحسان والإساءة، وهذا ما تشهد عليه فطرة جميع البشر، وإليه تشير الآية الكريمة: «وَ لاتَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَالسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميم».[9] إلا أنّ هذه الآية تقول لن إنّ الإحسان مقابل الإحسان أمرٌ طبيعيّ، وإنّ هناك درجة أعلى وهي مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا يساعد على التخلّص من الأحقاد ونشر المحبّة والصداقة، وهو ما تؤيده بعض الروايات كما عن الإمام الباقر(ع): «وَ إِنْ‏ خَانُوكَ‏ فَلَا تَخُن‏».[10] الخيانة المقصودة هنا الخيانة الشخصية طبعاً، أما خيانة المجتمع، فهي جرم و يجب معاقبتها بحسب القانون، أما على صعيد العلاقات الشخصية فالمطلوب أن يَعتَمِدَ الإنسان العفو والإيثار والإحسان، ليسوق المجتمع إلى مزيد من المحبة والصلاح. وفي رواية أخرى عن الامام الصادق (ع):‏ "ثَلَاثٌ‏ مِنْ‏ مَكَارِمِ‏ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَ تَحْلُمُ إِذَا جُهِلَ عَلَيْكَ" [11]

    هذه جميعاً توجيهات أخلاقية مشتركة بين بني البشر. وهذا القانون الأخلاقي ليس في تعاطينا مع المسلمين فقط، بل هذه مبادئ أخلاقية مع غير المسلمين كذلك، و الإلتزام بهذه المبادئ الأخلاقية سيؤلف القلوب ويصلح بين الناس.

    و ما أجمل هذه الآية: «وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْك‏».[12] أيها الإنسان الذي تطلب أعلى درجات الإحسان من الله، أحسن أنت أيضاً للآخرين، وكذلك بالنسبة للعفو. كما تحبّ أيها الإنسان أن يغفر الله لك، أُعفُ عن الآخرين، فالله عز و جل يقول: «وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحيم‏!».[13]

    عندما نَمُرُّ على روايات الإحسان وصنع المعروف، نجد بعض السُلوكيّات التي ترسُم مَعَالِمَ التّعاطِي الإنساني. ففي رواية عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «مُجَامَلَةُ النَّاسِ‏ ثُلُثُ الْعَقْلِ».[14] وجاء في حديث الرسول(ص) أنه قال: «التَّوَدُّدُ إِلَى‏ النَّاسِ‏ نِصْفُ‏ الْعَقْلِ».[15] وكان الرسول(ص) إذا طلب أحدهم منه موعظة يقول: «تَحَبَّبْ‏ إِلَى‏ النَّاسِ‏ يُحِبُّوكَ».[16]

    إن التمعّن والتدقيق في الآيات والروايات يجعلنا ندرك أن الإحسان والبر بين النّاس يلعب دوراً أساسياً في حل المشاكل والخلافات، وهذا بالتالي قانون أخلاقي ذهبي، يجب أن يسعى الجميع لترسيخ ثقافته في المجتمع.

    نسأل الله عزّ وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق وأداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم ويجلون أبصارَهم و يحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة ونسأل الله أن یُقَوّي روح الإيمان فینا جمیعًا فنسعى لسد حاجة الفقراء ونسأله التوفيق للمزيد من خشیته وطاعته والمحبّة له ولأولیائه ونسأله برحمته أن يجعلنا من المتخلقين بأحسن الأخلاق تجاه عباده ونشكره علی ما هدانا ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                                  آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                    والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته


     



    [1]. النحل/90.

    [2]. نهج البلاغه، الحکمة/ 437.

    [3]. راغب اصفهانى، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، ص236، بيروت، دار القلم، چ اول، بی­تا.

    [4]. الرحمن/60.

    [5]. (كوفى اهوازى، حسين بن سعيد، الزهد، ص31، ح78، المطبعة العلمية، قم، چ دوم، 1402ق. و العروسى الحويزى، عبد على بن جمعة، تفسير نور الثقلين، ج5، ص199، ح58، قم، اسماعيليان، چ چهارم، 1415ق.).

    [6]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص265، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [7]. النساء/86.

    [8]. طبرسى، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج3، ص131، تهران، ناصر خسرو، چ سوم، 1372ش.

    [9]. فصلت/34.

    [10]. ابن شعبه حرانى، همان، ص284.

    [11]. (كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص107، ح3، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق). وفي رواية أخرى عن أمیر المؤمنین(ع): «صِلُوا أَرْحَامَكُمْ‏ وَ إِنْ‏ قَطَعُوكُمْ » (طوسى، محمدبن الحسن، الأمالي، ص208).

    [12]. القصص/77.

    [13]. النور/22.

    [14]. كلينى، الكافي، ج2، ص643، ح2.

    [15]. همان، ح4.

    [16]. همان، ص642، ح1.



    تعليق



    عرض غير العامة