facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 182814
    تاريخ نشره : 6/24/2016 3:54:00 PM

    المعارف الإسلامیّة (182) الإسلام و حقوق الأخلاقی (27)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    التاریخ: 24.06.2016

       بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    عندما ننظر إلى الإسلام لناحية الأحكام الإجتماعية، سنجد أنه أولاها أهمية خاصة، وأنّه قدّم لنا تفاصيل دقيقة فيها، سواءً كانت أحكاماً في العبادات كالحج، أو المسائل المالية كالخمس والزكاة، أو في مسائل المعاملات، كالكسب الحلال والحرام، والقوانين المدنية والجزائية. حق المؤذن وحق إمام الجماعة، ترتبط بموضوع العبادات الجَماعيّة، وهذا ما سنتعرّض له بالكلام.

    حق المؤذّن وإمام الجماعة

    يحتوي الإسلام على عباداتٍ ذات بعد إجتماعي، من قبيل صلاة الجمعة والجماعة، التي تَتَميَّز هذه بتقوية العلاقات بين المسلمين و بعظمة ثوابها و قد أشار الإمام زين العابدين(ع) في حقوقه إلى اثنين من هذه العبادات في "حق المؤذن" و "حق إمام الجماعة".

    المؤذّن يُعلمنا بدخول وقت الصلاة، ويجمع المسلمين لأداء هذه الفريضة جماعةً. وهذا الأمر موجود في الأديان السابقة، حيث يوجد شخص يدعو أتباع الدين إلى الإجتماع، فهناك من يدق الناقوس عند المسيحيين، ومَن ينفخُ في البوق عند اليهود، وكان الروم يضربون على الدف. وكان المجوس يشعلون النار فيجتمع الناس حولها، وكان البعض يرفع الرايات.

    أما رسول الله(ص) فقد تَرَيَّث حتى نزل الوحي عليه عندما كان في منزل علي(ع)، فأعلن حكم الأذان، وفي رواية عن الإمام الصادق(ع): لَمَّا هَبَطَ جَبْرَئِيلُ(ع) بِالْأَذَانِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص) كَانَ رَأْسُهُ فِي حَجْرِ عَلِيٍّ(ع) فَأَذَّنَ جَبْرَئِيلُ(ع) وَ أَقَامَ فَلَمَّا انْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) قَالَ يَا عَلِيُّ سَمِعْتَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ حَفِظْتَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ ادْعُ بِلَالًا فَعَلِّمْهُ فَدَعَا عَلِيٌّ (ع) بِلَالًا فَعَلَّمَهُ.[i]

    وقد أشار الإمام زين العابدين(ع) في "حق المؤذن إلى نقاط عدة، أهمها معرفتنا أن المؤذن يذكّرنا بالله ويدعونا إليه، يدعونا إلى إعطاء البُعد الروحي حقّه في حياتنا، وهذه دعوة ذات قيمة عالية جداً، وهناك الكثير من الروايات الواردة بحق المؤذن، وقد ذكرت أحكام الأذان والمؤذن في الكتب الفقهية بالتفصيل فمن أراد فليراجع. في الواقع المؤذن له حصة من أجر الصلاة، لأنه يساعدنا على أدائها، وهو يستحقّ منّا كل شكر.[ii] وهناك روايات تذكر ثواباً عظيماً للمؤذن المخلص في نيّته.[iii]

    حق إمام الجماعة

    ما مرّ معنا في فضل المؤذن من اجتماع الناس على صوته لأداء الصلاة جماعة، يصدق أيضاً على إمام الجماعة الذي يُشكّل محور هذا الإجتماع، وهو الشخص الذي يقود هذه الجماعة لنيل البركات من نبع الكمال المطلق، وللإستئناس بالله تعالى، وإظهار الخشوع والخضوع له. وهذا حق إمام الجماعة، يتلوه علينا الإمام زين العابدين(ع) فيقول: «وَ أَمَّا حَقُّ إِمَامِكَ فِي صَلَاتِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ تَقَلَّدَ السِّفَارَةَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ وَ الْوِفَادَةَ إِلَى رَبِّكَ وَ تَكَلَّمَ عَنْكَ وَ لَمْ تَتَكَلَّمْ عَنْهُ وَ دَعَا لَكَ وَ لَمْ تَدْعُ لَهُ‏ وَ طَلَبَ فِيكَ وَ لَمْ تَطْلُبْ فِيهِ وَ كَفَاكَ هَمَّ الْمَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ الْمُسَاءَلَةِ لَهُ فِيكَ وَ لَمْ تَكْفِهِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ كَانَ بِهِ دُونَكَ وَ إِنْ كَانَ آثِماً لَمْ تَكُنْ شَرِيكَهُ فِيهِ وَ لَمْ‏ يَكُنْ لَهُ عَلَيْكَ فَضْلٌ فَوَقَى نَفْسَكَ بِنَفْسِهِ وَ وَقَى صَلَاتَكَ بِصَلَاتِهِ فَتَشْكُرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَ لَا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏».[iv]

    الحكمة من تشريع صلاة الجماعة

    هناك نقاطٌ بارزةٌ ترشدنا إلى مدى أهمية صلاة الجماعة، فهي تعظيم لعبادة الله، وتقوّي تأثير العبادة على المصلّين، والإقتداء بإمام جماعةٍ واحد يهدينا إلى أهمية نظم الأمر والترتيب، وهي عبادة تقوّي أواصر الأخوة وتزيد الصفاء في المجتمع، وتزيد ثقة المؤمنين ببعضهم البعض، وتمكّنهم من الإطلاع على أوضاع بعضهم البعض، كما أن حضور مختلف فئات الناس في صلاة الجماعة من فقير وغني و أسود وأبيض و نساء ورجال، يرسم لوحةً جميلةً للتقوى في المجتمع.

    ثمّ إنّ مجرّد حضور المؤمنين أول الوقت في الصلاة، وابتعادهم لمدة من الزمن عن الأمور المادية، وإقبالهم على الله عز وجل، يحمل بحد ذاته تفسيراً جميلاً للحياة الإيمانية، فيجب علينا أن لا نغرق في النعم الإلهية، فنغفل عن هدف هذه الحياة.

    يقول الإمامُ الرِّضا عليه السلام في أهمية صلاة الجماعة: «إنّما جُعِلَتِ‏ الجَماعَةُ لِئَلّا يكونَ الإخلاصُ والتَّوحيدُ والإسلامُ والعِبادَةُ للَّهِ إلّا ظاهِراً مَكشوفاً مَشهوراً؛ لأنَّ في إظهارِهِ حُجّةً على‏ أهلِ الشَّرقِ والغَربِ للَّهِ وَحدَهُ، ولِيَكونَ المُنافِقُ والمُستَخِفُّ مُؤَدِّياً لِما أقَرَّ بهِ يُظهِرُ الإسلامَ والمُراقَبَةَ، ولِيَكُونَ شَهاداتُ الناسِ بالإسلامِ بعضِهِم لِبَعضٍ جائزَةً مُمكِنَةً، مَع ما فيهِ مِنَ المُساعَدَةِ على البِرِّ والتَّقوى‏، والزَّجرِ عن كثيرٍ مِن مَعاصِي اللَّهِ عَزَّوجلَ‏».[v]

    صلاة الجماعة من عوامل الوحدة والإنسجام في المجتمع

    إنّ تعميق الإيمان بهدف الخلقة، وحضور هذا الهدف بشكل مستمرّ في حياتنا، يلعب دوراً مهماً جداً في تكاملنا الروحي، وهذا الأمر موجود في صلاة الجماعة. وإمام الجماعة الناجح، هو الذي ينجح في خلق حالة من الإنسجام والوحدة بين المصلين، من خلال توحيد هدفهم في التقرّب إلى الله عز وجل، وهذا ما يعظّم حقّه على المصلين. وكذلك المؤذن الذي يجذب الآخرين إلى المشاركة في هذه العبادة الجَماعية، ويعظّم هذه العبادة في أعين الآخرين، هو شخصٌ يستحق التقدير.

    نسأل الله عزّ وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق وأداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم ويجلون أبصارَهم و يحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة ونسأل الله أن یُقَوّي روح الإيمان فینا جمیعًا فنسعى لسد حاجة الفقراء ونسأله التوفيق للمزيد من خشیته وطاعته والمحبّة له ولأولیائه ونسأله برحمته أن يجعلنا من المتخلقين بأحسن الأخلاق تجاه عباده ونشكره علی ما هدانا ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                                  آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                                  


    [i]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج3، ص302، ح2، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق؛ و ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص282.

    [ii]. «وَ أَمَّا حَقُ‏ الْمُؤَذِّنِ‏ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مُذَكِّرُكَ بِرَبِّكَ وَ دَاعِيكَ إِلَى حَظِّكَ وَ أَفْضَلُ أَعْوَانِكَ عَلَى قَضَاءِ الْفَرِيضَةِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرَهُ عَلَى ذَلِكَ شُكْرَكَ لِلْمُحْسِنِ إِلَيْكَ وَ إِنْ كُنْتَ فِي بَيْتِكَ مُهْتَمّاً لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ فِي أَمْرِهِ مُتَّهِماً وَ عَلِمْتَ أَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكَ لَا شَكَّ فِيهَا فَأَحْسِنْ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَيْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏».(ابن شعبه حرانى، حسن بن على، قم، تحف العقول، ص265).

    [iii]. عن رسول الله(ص): «يَغفِرُ اللَّهُ لِلمُؤَذِّنِ مُنتَهى‏ أذانِهِ، ويَستَغفِرُ لَهُ كُلُّ رَطبٍ ويابِسٍ سَمِعَ صَوتَهُ».( الإمام أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج2، ص136، بیروت، دار صادر، بی­تا). وعن الإمام الباقر(ع): «مَن‏ أذَّنَ‏ عَشرَ سِنينَ‏ مُحتَسِباً يَغفِرُ اللَّهُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وصَوتِهِ فِي السَّماءِ، ويُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطبٍ ويابِسٍ سَمِعَهُ، ولَهُ مِن كُلِّ مَن يُصَلّي مَعَهُ في مَسجِدِهِ سَهمٌ، ولَهُ مِن كُلِّ مَن يُصَلّي بِصَوتِهِ حَسَنَةٌ».(طوسى، همان، ج2، ص284، ح1131.).

    [iv]. ابن شعبه حرانى، همان، ص265.

    [v]. (ابن بابويه، محمد بن على، عيون أخبار الرضا (ع)، ج2، ص109).



    تعليق



    عرض غير العامة