facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 182887
    تاريخ نشره : 7/8/2016 4:48:00 PM

    المعارف الإسلامیّة (184) الإسلام و حقوق الأخلاقی (29)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    التاریخ: 08.07.2016

                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    عندما يطالع الإنسان قوانين الإسلام في الحقوق والأخلاق سيكتشف تفاصيل دقيقة فيها، وقواعد وضوابط مؤثرة، من يلتزم بها سيلمس مدى اشتداد أواصر العلاقات الإجتماعية، ويرى كيف أن تعاليم الإسلام العميقة قدّمت برنامجاً لكلٍ من الفرد والمجتمع. فالبرنامج الفردي يضمن سلامة الروح والجسد، بينما يحافظ البرنامج الإجتماعي على سلامة المجتمع والسلام والإنسجام بين الناس، وحتى الشعوب. عندما نطالع الآيات والروايات نجد الكثير من الوصايا التي لو عُمِل بها اليوم لعاش النّاس بسعادة. فالإسلام إذن دين إجتماعي، وهذا ظاهر حتى في الأدعية، كالدعاء لشفاء كل المرضى، الدعاء لكل الفقراء... الإسلام دين سعادة الدنيا والآخرة.

    حق الجارّ

    سنشير هنا إلى ما قاله الإمام علي بن الحسين عليه السلام في حق الجار، مهما كانت ملّته ودينه: «وَ أَمَّا حَقُ‏ الْجَارِ فَحِفْظُهُ غَائِباً وَ كَرَامَتُهُ شَاهِداً وَ نُصْرَتُهُ وَ مَعُونَتُهُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعاً لَا تَتَبَّعْ لَهُ عَوْرَةً (أي عيباً) وَ لَا تَبْحَثْ لَهُ عَنْ سَوْءَةٍ لِتَعْرِفَهَا فَإِنْ عَرَفْتَهَا مِنْهُ عَنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْكَ وَ لَا تَكَلُّفٍ كُنْتَ لِمَا عَلِمْتَ حِصْناً حَصِيناً وَ سِتْراً سَتِيراً لَوْ بَحَثَتِ الْأَسِنَّةُ (أي الرماح والسيوف..) عَنْهُ ضَمِيراً (مكنونات النفس) لَمْ تَتَّصِلْ إِلَيْهِ لِانْطِوَائِهِ عَلَيْهِ لَا تَسْتَمِعْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ لَا تُسْلِمْهُ عِنْدَ شَدِيدَةٍ وَ لَا تَحْسُدْهُ عِنْدَ نِعْمَةٍ تُقِيلُ عَثْرَتَهُ وَ تَغْفِرُ زَلَّتَهُ وَ لَا تَدَّخِرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إِذَا جَهِلَ عَلَيْكَ وَ لَا تَخْرُجْ أَنْ تَكُونَ سِلْماً لَهُ تَرُدُّ عَنْهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ وَ تُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَامِلِ النَّصِيحَةِ وَ تُعَاشِرُهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً وَ لَا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه».[1]

    در قرآن کریم نیز به حق همسایه اشاره شده که خدای تعالی در این خصوص می­فرماید: و قد قال الله عز وجل في كتابه الكريم في إشارة إلى الجار: «وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ بِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكينِ وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى (الجار القريب)‏ وَ الْجارِ الْجُنُبِ (الجار البعيد) وَ الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ ابْنِ السَّبيلِ وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُورا».[2]

    هذه من الوصايا الجميلة في القرآن الكريم، التوصية بالجار القريب والبعيد، وقلّما نجد هذا النوع من التعاليم التي تنص على هذه الحقوق والأخلاق في الأديان، وبالحد الأدنى لا نجده بهذه الدرجة من الـتأكيد والتفصيل. إذا نجحنا في إحياء هذه الأصول والقيم ومراعاتها في مجتمعنا، فسوف نحفظ أمن مجتمعنا على مختلف الصُعد.

    عندما نطالع الروايات التي توصي بالجار سنجدها كثيرةً وتفصيلية، تشمل مختلف جوانب حياة الجار... كإقراضه ومساعدته وبذل المال من أجله واستضافته وعيادته إذا مرض، والسرور بانفراج أموره، والحزن على وقوعه في المشاكل، والإهتمام ببيئته ونظافة هوائه... وغيرها من التفاصيل التي قد لا تخطر على بالنا، وقد وردنا حديث جميل جداً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يبيّن لنا حق الجار، حيث قال: «مَنْ‏ غَلَقَ‏ بَابَهُ‏ خَوْفاً مِنْ جَارِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَ مَالِهِ فَلَيْسَ جَارُهُ بِمُؤْمِنٍ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ فَقَالَ مِنْ أَدْنَى حُقُوقِهِ عَلَيْهِ إِنِ اسْتَقْرَضَهُ أَقْرَضَهُ وَ إِنِ اسْتَعَانَهُ أَعَانَهُ وَ إِنِ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَعَارَهُ وَ إِنِ احْتَاجَ إِلَى رِفْدِهِ رَفَدَهُ وَ إِنْ دَعَاهُ أَجَابَهُ وَ إِنْ مَرِضَ عَادَهُ وَ إِنْ مَاتَ شَيَّعَ جَنَازَتَهُ وَ إِنْ أَصَابَ خَيْراً فَرِحَ بِهِ وَ لَمْ يَحْسُدْهُ عَلَيْهِ وَ إِنْ أَصَابَ مُصِيبَةً حَزِنَ لِحُزْنِهِ وَ لَا يَسْتَطِيلُ عَلَيْهِ بِبِنَاءٍ سَكَنَهُ فَيُؤْذِيَهُ بِإِشْرَافِهِ عَلَيْهِ وَ سَدِّهِ مَنَافِذَ الرِّيحِ عَنْهُ وَ إِنْ أُهْدِيَ إِلَى مَنْزِلِهِ طُرْفَةٌ أَهْدَى لَهُ مِنْهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُهَا أَوْ فَلْيَسْتُرْهَا عَنْهُ وَ عَنْ عِيَالِهِ إِنْ شَحَّتْ نَفْسُهُ بِهَا ثُمَّ قَالَ اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ الْجَارِ إِلَّا قَلِيلٌ مِمَّنْ رَحِمَهُ اللَّهُ وَ لَقَدْ أَوْصَانِيَ اللَّهُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُورِثُه».[3]

    فتبيّن لنا من خلال هذا الحديث أن هناك الكثير من الحقوق للجار، وعلينا أن نتعرّف عليها ونحاول الإلتزام بأكبر عددٍ منها، كما بات واضحاً لدينا حرمة أذى الجار، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ‏ مَنْ‏ آذَى‏ جَارَهُ».[4] فعلينا إذن أن نلتزم السلوك الحسن مع جيراننا وأن نكون حاضرين لمساعدتهم عند الشدائد.

    اختيار الجار الجيّد

    طبعاً، من المهم جداً اختيار الجار الجيد، وهو ما أوصت به الروايات قبل شراء البيت، حيث يُفترض بنا أن نسأل عن أحوال الجيران الذين ننوي السكن بالقرب منهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «التَمِسُوا الجارَ قَبلَ شِراءِ الدّارِ وَ الرَّفيقَ قَبلَ الطَّريق».[5]

    أهم ما نستنتجه ممّا مرّ، هو تأكيد الإسلام على الإهتمام بأفراد المجتمع بشتّى الطرق. ومن المؤسف أنّ بعض الجاهلين بأحكام الإسلام وقوانينه وتعاليمه الأخلاقية، يطلقون آراء غير منصفة وغير مسؤولة، وهو ما لا يليق بمجتمعٍ يُعدّ احترام الأديان وأتباعها أحدَ قوانينه الأساسية.

    نسأل الله عزّ وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق وأداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم ويجلون أبصارَهم و يحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة ونسأل الله أن یُقَوّي روح الإيمان فینا جمیعًا فنسعى لسد حاجة الفقراء ونسأله التوفيق للمزيد من خشیته وطاعته والمحبّة له ولأولیائه ونسأله برحمته أن يجعلنا من المتخلقين بأحسن الأخلاق تجاه عباده ونشكره علی ما هدانا ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                                   آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص266، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [2]. النساء/36.

    [3]. نورى، حسين بن محمد تقى، مستدرك الوسائل، ج8، ص427، ح9889، قم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، چ اول، 1408ق.

    [4]. كراجكى، محمد بن على، كنز الفوائد، ج1، ص150، قم، دارالذخائر، چ اول، 1410ق.

    [5]. الطبرانی، المعجم الكبير، ج4، ص269، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، بیروت، دار إحياء التراث العربي، چ الثانية، 1405ق. و نورى، همان، ج8، ص431، ح9904.



    تعليق



    عرض غير العامة