facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 183032
    تاريخ نشره : 7/29/2016 3:47:00 PM

    العقل

    الخطیب:مُقامة مِن قِبَل حجة الإسلام و المسلمین إسماعیل الأنصاري

    29.07.2016

         بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه و لا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه. وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. عبادالله، أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    بدايةً تعازيّ لكم بشهادة الإمام الصادق عليه السلام. كانت مرحلة الإمام الباقر والصادق عليهما السلام من أشدّ المراحل إشراقاً في تاريخ الإسلام، حيثُ شهدت هذه المرحلة نزاعاً بين بني أمية وبني العبّاس، وهذا ما شكّل فرصةً لهذين الإمامين العظيمين ليقوما بدورهما في تبيين معالم الدين المحمّدي الأصيل، حيث تربّى على يديهما جمعٌ غفيرٌ من علماء المسلمين من جميع المذاهب، من السنّة والشيعة. وقد ذكر المؤرخون أن عدد الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام رَبى على الأربعة آلاف، على اختلاف معتقداتهم و آرائهم. فقد تتلمذ على يديه عليه السلام فقهاء الشيعة من قبيل زرارة بن أعين، محمد بن مسلم الثقفي، فضيل بن يسار... و من علماء السنة ابن جريح، حجاج بن أرطاة، سفيان بن سعيد، يحيى بن سعيد الأنصاري، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الكلي، أبو سعيد يحيى بن سعيد قطان البصري، محمد بن إسحاق صاحب كتاب المغازي، شعبة بن الحجاج... حتى أن مالك بن أنس أحد أئمة الفقه السنّي وأصحاب الفتوى كان قد درس في مدرسة هذا الإمام عليه السلام.

    وبناءً عليه، يُعدّ الإمام الصادق عليه السلام من الشخصيات العظيمة والموقّرة بين المسلمين، التي نال العالم الإسلامي الكثير من بركاتها. لقد سعى الإمام الصادق عليه السلام في زمانه أن يطلق حركةً علميةً تسهم في رقيّ العقل البشري ونموّه، أحد أعظم نعم الله على الإنسان، وأساس الأخلاق والعقائد والأحكام التي تخاطب العقل أولاً و آخراً.

    العقل في الرؤية الإسلامية هو أساس الإنسان، ومعيار القيم ومعيار درجات الكمال، وهو ملاك تقييم الأعمال، وميزان الحساب، وحجّة الله الباطنيّة على الناس. العقل أفضل هدية قدّمها الله للإنسان، وهو القاعدة الأولى التي أقامها الدين الإسلامي، وهو أساس الحياة وأجمل ما يتزيّن به المرء. العقل أعظم ثروة، وأفضل صديق ومرشد، وأهم ما يستند إليه المؤمنون.

    العقل عبارة عن قوة، متى ما امتلكها الإنسان سيزداد فهماً و علماً، وستكون قوّته الإدراكيّة وضميره أوعى. لكن ماذا لو ازداد العلم وكان العقل ضعيفاً؟ يقول الإمام علي عليه السلام: من زاد علمُه على عقله كان وبالاً علیه[1]. مثل بعض العلماء الذين استخدموا علمهم ضد البشريّة، فصنعوا سلاحاً يؤذيهم ويؤذي غيرهم.

    لقد جاء ذكر العقل في القرآن 49 مرة، وجرى التأكيد على التعقل كثيراً، وهذا ما يدل على أنه نعمة كبيرة جداً. طبعاً العقل الذي نقصده ليس في مقابل الجنون بل في مقابل الجهل، وهذا يعني التأكيد على استعمال العقل. لم يكن المنافقون مجانين، ولكن القرآن يقول إنهم سفهاء. المجنون لا يُحاسب، لا يعاقب بالنار، ولا يُوَبّخ. لا تكليف على المجنون لأنه لا يمكنه استخدام العقل.

    عندما تغيّرت القبلة سخر المنافقون من المسلمين، سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا[2]. والقرآن يقول إنهم سفهاء لا يستعملون العقل، والسبب في سخريتهم أنهم لم يدركوا حكمة هذا الأمر.

    كذلك لم يفهم قوم نوح لماذا كان نبيّهم عليه السلام يصنع سفينة في الصحراء، فسخروا منه كما قال الله تعالى: «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ»[3].

    الذين لا يعتنون بما أنزل الله ولا يستعملون عقولهم، كذلك ينقل الله لنا حالهم حيث قال عز وجل: «وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ»[4]

    عندما يستخدم الإنسان عقله، ستضعف أمور أخرى، كما جاء في الرواية: إذا كمل العقل نقصت الشهوة[5]. عندها سيتمكّن العقل من التغلّب على الشهوة. وفي رواية أخرى: إذا تم العقل نقص الكلام[6].ومن جهة أخرى: أعقل الناس أحیاهم[7]. فإذا رأيتم شخصاً يستحي فهذا يعني أنه عاقل، فالذي لا يستحي لا يستعمل عقله، والحياء من جنود العقل.

    كذلك من علامات العاقل أنه يعتذر عند الخطأ ولا يحاول التبرير: أعقل الناس أعذرهم للناس. وفي رواية أخرى: تواضع للحق تكن أعقل الناس[8].

    العقل هو القوة التي تأمر الإنسان بفعل الخيرات وترك القبائح. فالضمير والحياء والذاكرة والعلم والإدراك كلها تتفرّع عن العقل.

    السبب في طرح هذا الموضوع هو أن الله أعطى الإنسان العقل، وخيّره بين أن يدفنه تحت التراب وينساه، أو يستعمله و يقوّيه يوماً بعد يوم، وهذا تابع لعوامل منها الإرتباط بالوحي، الإرتباط بالعلماء، مشاورة الآخرين، والإستفادة من تجاربهم.

    تقول الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: ستة تختبر بها عقول الناس: الحلم عند الغضب، والصبر عند الرهب، والقصد عند الرغب، وتقوى الله في كل حال، وحسن المداراة، وقلة المماراة.[9] يعني إذا أردتم امتحان مستوى عقل وذكاء الشخص فانظروا كل واحدة من هذه الصفات: الحلم عند الغضب العاقل يصبر عندما يغضب. الغضب ضربٌ من الجنون. عندما أهان أحدهم مالك الأشتر لم ينظر إلى الخلف ليرى من هو الشخص بل أكمل طريقه إلى المسجد ليستغفر له. والصبر عند الرهب الصبر والمقاومة عند مواجهة المشاكل والخوف. القصد عند الرغب قد يشعر العاقل برغبة شديدة تجاه أمرٍ ما، ولكنّه يختار الحد الوسط ولا يقع في الإفراط. لا يُبتلى بالإفراط عندما تسنح له الفرصة. هذه من علامات العاقل. وتقوى الله في كل حال مراعاة التقوى في كل زمان و مكان، وحسن المداراة يخاطب الناس بالتي هي أحسن، وقلة المماراة قليل الجدل والنزاعات اللفظية.

    كذلك الأدعية ركّزت على موضوع العقل والتعقّل، ونحن نطلب من الله أن يوفقنا لاستثمار هذه النعمة الكبرى، وأن يوفقنا لمعرفة قدرها ويُبعدنا عن السفاهة.



    [1]  غرر الحکم، حدیث 7016

    [2] سورة البقرة، 142

    [3] سورة هود، 38

    [4] سورة الملك، 10 و 11

    [5] غرر الحكم، حدیث 4054

    [6] نهج البلاغة، الحكمة 71

    [7] غرر الحكم، حدیث 5440

    [8] بحار الأنوار ج78 ص300

    [9] غرر الحکم، حدیث ۵۶۰۸



    تعليق



    عرض غير العامة