facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 183093
    تاريخ نشره : 8/5/2016 5:14:00 PM

    المعارف الإسلامیّة (186) الإسلام و حقوق الأخلاقی (31)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    05.08.2016


                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    تكرّرت الإشارة سابقاً إلى أن الإسلام قدّم برامج للحياة تضمن سعادة الفرد والمجتمع، وبيّن الحقوق التي لا بدّ  من مراعاتها. إن رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام، قدّمت لنا الإرشادات في الكثير من المواضيع، ومنها حق المال، وأخلاق العمل لتحصيل لقمة العيش، وأسلوب العمل مع الشريك. بشكل عام، لدينا قاعدة عامة تقول إن القيام بأي عمل يجب أن يكون نابعاً من مصلحة، وإذا ترتّب على هذا العمل مفسدة فردية أو إجتماعية فلا بدّ من تجنّبه.

    حق الشریك

    لطالما شدّد الإسلام على نجاة النفس والغير، ونهى عن أي نوع من "المكر والحيلة والخداع" سواءً للنفس أم للغير. الإسلام يريد أن يرسم لنا طريق الحياة، وأن يُعلّمنا كيف نسير فيها، ولا يسمح لنا باستخدام أي وسيلة وإن كانت غير عقلانية وشرعية لبلوغ غايتنا. لقد بيّن الإمام علي بن الحسين عليه السلام الكثير من النقاط التي تجب مراعاتها في مختلف الحقوق، من حق الشريك إلى حق المال و حق الدائن. بالنسبة للشريك يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: «وَ أَمَّا حَقُ‏ الشَّرِيكِ‏ فَإِنْ غَابَ كَفَيْتَهُ وَ إِنْ حَضَرَ سَاوَيْتَهُ‏ وَ لَا تَعْزِمْ عَلَى حُكْمِكَ دُونَ حُكْمِهِ وَ لَا تَعْمَلْ بِرَأْيِكَ دُونَ مُنَاظَرَتِهِ وَ تَحْفَظُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَ تَنْفِي عَنْهُ خِيَانَتَهُ فِيمَا عَزَّ أَوْ هَانَ‏ فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه‏».[1] لقد ورد الكثير من أحكام الشراكة في الأبحاث الفقهية تُراجع في مصادرها، وهناك الكثير من الروايات الواردة في حقوق الشريك، وقد جرى التأكيد على تعرّف الشركاء جيداً على حقوق بعضهم البعض ومراعاة هذه الحقوق. فالشريك يجب أن يمتنع عن التصرّف في غيبة شريكه، وأن يتابع أموره، وإذا حضر يراعي حقه، ويساوي بينه وبين نفسه، ويتخذ القرارات بالتشاور معه، وعلى الشريك أن يحفظ مال شريكه، وأن لا يخطر ببال أحدٍ منهما خيانة الآخر. ثم يكمل الإمام عليه السلام الكلام حول موضوع المال، فيشير إلى أن تحصيل المسلم للمال يجب أن يكون عبر الطرق الصحيحة، ويجب أن يُصرف هذا المال في الموارد المناسبة والعقلانية، وهذا من أهم المسائل الإقتصادية.

    دور الكسب الحلال في تربية الإنسان

    للمال الحلال والطاهر دوراً كبيراً في التربية الإسلامية للإنسان، وهذا حقّ المال من الإمام زين العابدين عليه السلام: «وَ أَمَّا حَقُ‏ الْمَالِ‏ فَأَنْ لَا تَأْخُذَهُ إِلَّا مِنْ حِلِّهِ وَ لَا تُنْفِقَهُ إِلَّا فِي حِلِّهِ وَ لَا تُحَرِّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لَا تَصْرِفَهُ عَنْ حَقَائِقِهِ وَ لَا تَجْعَلَهُ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ وَ سَبَباً إِلَى اللَّهِ وَ لَا تُؤْثِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ مَنْ لَعَلَّهُ لَا يَحْمَدُكَ وَ بِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يُحْسِنَ خِلَافَتَهُ فِي تَرِكَتِكَ‏ وَ لَا يَعْمَلَ فِيهِ بِطَاعَةِ رَبِّكَ فَتَكُونَ مُعِيناً لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ بِمَا أَحْدَثَ فِي مَالِكَ أَحْسَنَ نَظَراً لِنَفْسِهِ فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ فَيَذْهَبَ بِالْغَنِيمَةِ وَ تَبُوءَ بِالْإِثْمِ وَ الْحَسْرَةِ وَ النَّدَامَةِ مَعَ التَّبِعَةِ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏».[2] فالمال يجب أن يكون من مصدر حلال، وأن يُصرف في موردٍ يرضاه الله، لأنه منه، وهذا يكون عبر صرفه بصورة صحيحة وعقلانية.

    سعادة الإنسان رهن عدم تعلّقه بالدنيا

    من المسائل الأخلاقية المهمة التي يجب أن لا يغفل عنها الإنسان، هي ترك التعلّق بالمال، فحب المال يخلق الكثير من المشاكل في الحياة، وقد أشارت الآية الكريمة إلى ذلك حيث قال عز و جل «وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (شديد الحب للمال)».[3] وهذا لا يعني أن امتلاك المال مذموم وقبيح، لأنه إذا كان في خدمة الإنسان ولحلّ مشكلاته، ففي هذا سعادة الدنيا والآخرة، وهناك أشخاص مثلاً يجب على الإنسان أن ينفق المال من أجلهم، كنفقة الزوجة والأولاد. من يجمع المال من أجل أداء هذه الخدمات للآخرين فهو كالمجاهد في سبيل الله كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «الْكَادُّ عَلَى‏ عِيَالِهِ‏ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ».[4] إذن من يبذل الجهد لجمع المال ثمّ يصرفه في ما أمر الله به، سينال خير الدنيا والآخرة.[5]

    أيضاً من موارد صرف المال، مساعدة الآخرين، بحيث يقدّم الشخص القرض أو غير ذلك إلى الناس، وعندما يتمكّن المقترض يرجع هذا المال إلى صاحبه، والإمام زين العابدين عليه السلام يتحدث عن هذا الموضوع فيقول: «وَ أَمَّا حَقُّ الْغَرِيمِ الطَّالِبِ لَكَ‏ فَإِنْ كُنْتَ مُوسِراً أَوْفَيْتَهُ وَ كَفَيْتَهُ وَ أَغْنَيْتَهُ وَ لَمْ تَرْدُدْهُ وَ تَمْطُلْهُ‏ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَ إِنْ كُنْتَ مُعْسِراً أَرْضَيْتَهُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ وَ طَلَبْتَ إِلَيْهِ طَلَباً جَمِيلًا وَ رَدَدْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ رَدّاً لَطِيفاً وَ لَمْ تَجْمَعْ عَلَيْهِ‏ ذَهَابَ مَالِهِ وَ سُوءَ مُعَامَلَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لُؤْمٌ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏».[6]

    من التوصيات الأكيدة الواردة في الإسلام هي تقديم القروض لحل مشاكل الناس، بحيث يقوم هؤلاء بتسديد القرض خلال فترة محددة، وقد ذكرت الآيات والروايات الكثير من الفضل لهذا العمل، بحيث أنها جعلت المقترض هو الله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً (من الأموال التي أعطاه الله إياها) فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَريم‏».[7] وفي آية أخرى: «إِنَّ الْمُصَّدِّقينَ وَ الْمُصَّدِّقاتِ وَ أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَ لَهُمْ أَجْرٌ كَريم».[8] كما أكدت الآيات والروايات على إمهال المقترض، وأن لا تُمارس الضغوط عليه فيُضطرّ إلى تأمين المال من مصادر غير نظيفة: «وَ إِنْ كانَ (المدين) ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ مَيْسَرَةٍ وَ (وإن كان عاجزاً عن الأداء حقاً) أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (فوائد هذا العمل)».[9] طبعاً، هناك الكثير من التوصيات الإقتصادية الدقيقة التي جاء بها الإسلام، لكن نترك الكلام فيها لمحلّه.

    نسأل الله عزّ وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق وأداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم ويجلون أبصارَهم و يحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.                                                                      آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص267، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404.

    [2]. همان.

    [3]. العادیات/8.

    [4]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص8، ح1، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [5]. جاء في رواية مهمة عن رسول الله (ص): «إنَّ رَسولَ اللّهِ صلى الله عليه و آله لَمّا أقبَلَ مِن غَزوَةِ تَبوكَ استَقبَلَهُ سَعدٌ الأَنصارِيُّ، فَصافَحَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله، ثُمَّ قالَ لَهُ: ما هذَا الَّذي‏ أكتَبَ‏ يَدَيكَ (جعلها خشنة)؟ قالَ: يا رَسولَ اللّهِ، أضرِبُ بِالمَرِّ وَ المِسحاةِ (أعمل بالحبل والرفش) فَانفِقُهُ عَلى عِيالي. فَقبَّلَ يَدَهُ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله، و قالَ: هذِهِ يَدٌ لا تَمَسُّهَا النّارُ (ابن الأثير الجزري، أبو الحسن عزّالدين عليّ بن أبي الكرم، اسد الغابة في معرفة الصحابة، ج2، ص420).

    [6]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص267.

    [7]. الحدید/11.

    [8]. الحدید/18.

    [9]. البقرة/280.



    تعليق



    عرض غير العامة