facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 183137
    تاريخ نشره : 8/12/2016 2:03:00 PM

    المعارف الإسلامیّة (187) الإسلام و حقوق الأخلاقی (32)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    12.08.2016


                      

                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه

    يتعاطى الإنسان على المستوى الشخصي والإجتماعي مع أشخاص عديدين، تختلف أحكامهم وآداب التعامل معهم، وقد ذكر الإمام السجّاد غالبية هؤلاء الأشخاص وحقوقهم، ومنها حق الخليط، أي الشخص الذي نعاشره سواءً كان شريكاً أو زميلاً في العمل أو الدراسة أم صديقا. لا شك أن هؤلاء الأشخاص يستحقون نوعاً خاصاً من الحقوق.

    حق الخليط

    يشرح لنا الإمام السجّاد عليه السلام كيف يكون تعاطي الإنسان في علاقاته فيقول: «وَ أَمَّا حَقُّ الْخَلِيطِ فَأَنْ لَا تَغُرَّهُ وَ لَا تَغُشَّهُ وَ لَا تَكْذِبَهُ وَ لَا تُغْفِلَهُ وَ لَا تَخْدَعَهُ وَ لَا تَعْمَلَ فِي انْتِقَاضِهِ عَمَلَ الْعَدُوِّ الَّذِي لَا يَبْقَى عَلَى صَاحِبِهِ وَ إِنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْكَ اسْتَقْصَيْتَ لَهُ عَلَى نَفْسِكَ (أي بذلت له كامل سعيك)‏ وَ عَلِمْتَ أَنَّ غَبْنَ الْمُسْتَرْسِلِ (أي خداع من يثق بك) رِبًا وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ».[1]

    طبعاً هذا موضوع يستحق الإهتمام، فهؤلاء أشخاص نشاركهم حياتنا. مثلاً إذا كان الأصدقاء من الأبرار فسيكونون من عوامل الوصول إلى السعادة، والإمام الصادق عليه السلام ينقل عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قوله:«وَ أَسْعَدُ النَّاسِ‏ مَنْ‏ خَالَطَ كِرَامَ النَّاسِ».[2] فمخالطة هذا النوع من الأشخاص يساعد الإنسان على التعرّف على الطريق الصحيح في مختلف القضايا التي تواجهه.

    التعاليم الإسلامية تفيد أن المسلم يجب أن ينتبه جيداً لِمَن يُعاشر، لكي لا ينحرف عن هدفه، ومن الضروري مراجعة الروايات التي تبيّن لنا الصفات الحسنة والسيئة في الشخص والعمل بها، وهذا ما لا يستغني عنه الإنسان الباحث عن الكمال.

    ولذا يتحدث الإمام السجاد عليه السلام بعدها عن التشاور، وأن على الإنسان بذل الجهد في نصح من يستشيره وفق ما لديه من معلومات. عليك أن تكسب ثقة من يستشيرك. المشاورة في الإسلام موضوع هام جداً، وتتطلب ملاحظة جميع جوانب المسألة، لذلك من المهم جداً استشارة الشخص الأمين والواعي.

    حق المستشير

    يقول الإمام السجاد عليه السلام: «وَ أَمَّا حَقُّ الْمُسْتَشِيرِ فَإِنْ حَضَرَكَ لَهُ وَجْهُ رَأْيٍ جَهَدْتَ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ وَ أَشَرْتَ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مَكَانَهُ عَمِلْتَ بِهِ وَ ذَلِكَ لِيَكُنْ مِنْكَ فِي رَحْمَةٍ وَ لِينٍ فَإِنَّ اللِّينَ يُؤْنِسُ الْوَحْشَةَ وَ إِنَّ الْغِلَظَ يُوحِشُ مَوْضِعَ الْأُنْسِ وَ إِنْ لَمْ يَحْضُرْكَ لَهُ رَأْيٌ وَ عَرَفْتَ لَهُ مَنْ تَثِقُ بِرَأْيِهِ وَ تَرْضَى بِهِ لِنَفْسِكَ دَلَلْتَهُ عَلَيْهِ وَ أَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ فَكُنْتَ لَمْ تَأْلُهُ خَيْراً (لم تمنع عنه خيراً) وَ لَمْ تَدَّخِرْهُ نُصْحاً (لم تمنعه نصيحةً) وَ لَا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه».[3]

    من الواضح أن من يستشير الآخرين في أموره سيقلّ خطؤه، وتقول الرواية: «لَا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ».[4] كذلك من بركات المشاورة قلة الحسد، لأن الآخرين سيعتبرون أنفسهم شركاء في النجاح، كما أن الإنسان يتعرّف من خلال ذلك على شخصية الآخرين ويعرف مدى تعاطفهم معه.

    منزلة التشاور في الإسلام

    إن التشاور في الإسلام على درجة عالية من الأهمية بحيث أن الله عز و جل يأمر نبيّه صلى الله عليه وآله، وهو في قمة العلم والدرجات الروحية، وهو المعصوم، يأمره أن يشاور الآخرين، فيقول عز وجل:«وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر‏».[5] وقد تكون تسمية سورة في القرآن بسورة الشورى دليلاً على أهميّة هذا الموضوع.

    من أصول التشاور أن يكون مع إنسان أمينٍ واعٍ وعاقل، وليس مع بخيلٍ جاهل جبان أو حريص. فالفاقد لأهلية مشاورته يمكن أن يحرف الإنسان عن المسار الصحيح، بعكس من يكون أهلاً لذلك، إذ أنّه سيكون ناصحاً و ناصراً.

    ويقول الإمام الصادق عليه السلام في هذا المجال: «إِنَّ الْمَشُورَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِحُدُودِهَا فَمَنْ عَرَفَهَا بِحُدُودِهَا وَ إِلَّا كَانَتْ مَضَرَّتُهَا عَلَى الْمُسْتَشِيرِ أَكْثَرَ مِنْ مَنْفَعَتِهَا لَهُ فَأَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُشَاوِرُهُ عَاقِلًا وَ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ حُرّاً مُتَدَيِّناً وَ الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ صَدِيقاً مُؤَاخِياً وَ الرَّابِعَةُ أَنْ تُطْلِعَهُ عَلَى سِرِّكَ‏ فَيَكُونَ‏ عِلْمُهُ‏ بِهِ‏ كَعِلْمِكَ‏ بِنَفْسِك‏».[6]

    حق المُشير

    ثم يكمل الإمام السجّاد عليه السلام الكلام عن حق المُستشار فيقول: «وَ أَمَّا حَقُ‏ الْمُشِيرِ عَلَيْكَ فَلَا تَتَّهِمْهُ فِيمَا لَا يُوَافِقُكَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ‏ إِذَا أَشَارَ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا هِيَ الْآرَاءُ وَ تَصَرُّفُ النَّاسِ فِيهَا وَ اخْتِلَافُهُمْ فَكُنْ عَلَيْهِ فِي رَأْيِهِ بِالْخِيَارِ إِذَا اتَّهَمْتَ رَأْيَهُ فَأَمَّا تُهَمَتُهُ فَلَا تَجُوزُ لَكَ إِذَا كَانَ عِنْدَكَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْمُشَاوَرَةَ وَ لَا تَدَعْ شُكْرَهُ عَلَى مَا بَدَا لَكَ مِنْ إِشْخَاصِ رَأْيِهِ وَ حُسْنِ وَجْهِ مَشُورَتِهِ فَإِذَا وَافَقَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ وَ قَبِلْتَ ذَلِكَ مِنْ أَخِيكَ بِالشُّكْرِ وَ الْإِرْصَادِ بِالْمُكَافَأَةِ فِي مِثْلِهَا إِنْ فَزِعَ إِلَيْكَ‏ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه‏».[7]

    وقد أكّدت تعاليم الإسلام على أهمية الإستشارة بحيث أنها مطلوبة حتى ممّن هو أدنى مرتبة من الناحية العلمية، فقد نُقل عن فضيل بن يسار أنه قال: «اسْتَشَارَنِي‏ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع) مَرَّةً فِي أَمْرٍ فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ مِثْلِي يُشِيرُ عَلَى مِثْلِكَ قَالَ نَعَمْ إِذَا اسْتَشَرْتُكَ».[8] وعلى كل حال احترام المُستشار وحفظ منزلته واجب، وقد ورد الكثير حول هذا الموضوع، ولكن نكتفي بهذا المقدار.

     

    نسأل الله عزّ وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق وأداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم ويجلون أبصارَهم و يحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.                                                                     

                                                                                                                  آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                        والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص286، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [2]. ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص395، ح5840، قم، دفتر انتشارات اسلامى، چ دوم، 1413ق.

    [3]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص269.

    [4]. نهج البلاغة، حکمة/54.

    [5]. آل عمران/159.

    [6]. برقى، احمد بن محمد بن خالد، المحاسن، ج2، ص602، ح28، قم، دار الكتب الإسلامية، چ دوم، 1371ق.

    [7]. ابن شعبه حرانى، همان.

    [8]. برقی، همان، ج2، ص601، ح22.



    تعليق



    عرض غير العامة