facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 183286
    تاريخ نشره : 9/3/2016 3:41:00 PM

    المعارف الإسلامیّة (188) الإسلام و حقوق الأخلاقی (33)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
                                        
    02.09.2016


          
       
            
       بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

     لقد قدّم لنا الإسلام أدق التعاليم من أجل إصلاح العلاقات الإجتماعية، ورسم لنا حدود هذه العلاقات. قد يتشاور الإنسان مع البعض لأمرٍ يعنيه، أو يعاشر بعض الأشخاص ويسألهم عن بعض الأمور، أو يرتبط بأشخاص تحت عناوين مختلفة: زملاء في العمل في الدراسة، أصدقاء... قد ينصح البعض أو يطلب نصيحتهم... كل هذه الأمور لها حدودها وقواعدها التي لا بدّ من التعرّف عليها والعمل بها.

     حق المستنصح

    فيما يلي يذكر لنا الإمام زين العابدين عليه السلام حق الشخص الذي يطلب النصيحة فيقول: « وَ أَمَّا حَقُّ الْمُسْتَنْصِحِ فَإِنَّ حَقَّهُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَيْهِ النَّصِيحَةَ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي تَرَى لَهُ أَنَّهُ يَحْمِلُ وَتَخْرُجَ الْمَخْرَجَ الَّذِي يَلِينُ عَلَى مَسَامِعِهِ وَتُكَلِّمَهُ مِنَ الْكَلَامِ بِمَا يُطِيقُهُ عَقْلُهُ فَإِنَّ لِكُلِّ عَقْلٍ طَبَقَةً مِنَ الْكَلَامِ يَعْرِفُهُ وَيَجْتَنِبُهُ وَلْيَكُنْ مَذْهَبُكَ‏ الرَّحْمَةَ وَ لاقُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».[1]

    عند مراجعة القرآن الكريم نجد أن النصيحة تحتل مركزاً مهماً في المجتمع، إذ أن الله عز وجل يصف أنبياءه بأنهم ناصحون، كما في الآية عن النبي نوح عليه السلام: «أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لاتَعْلَمُونَ ».[2] كما ورد على لسان صالح[3] و شعیب[4] عليهما السلام ما يشبه هذا التعبير. والجدير بالذكر أن الشيطان وأولياءه يتكلمون بأسلوب الناصح عندما يريدون الوسوسة ليصلوا إلى مرادهم: «وَ قاسَمَهُما (أقسم لهما) إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحين ».[5] هذه نقطة مهمة، أن العدو يتكلم بلسان الناصح، وهذا أسلوب يستخدمه المستعمرون اليوم، في حين أنهم يريدون إفساد العقيدة والأخلاق وحرف الإنسان عن المسار الصحيح، وهذا هو الإستعمار ما بعد الحديث، ولا بد من الإنتباه جيداً لهذه المسألة.

     

    النصح (إرادة الخير) في الروايات

    لقد أوصت الروايات المؤمنين بالنصح وطلب الصلاح والفلاح لبعضهم البعض، وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «يَجِبُ‏ لِلْمُؤْمِنِ‏ عَلَى‏ الْمُؤْمِنِ‏ أَنْ يُنَاصِحَهُ ».[6] ولا شك أن المقصود من النصيحة في هذه الرواية، هداية الشخص وإرشاده إلى مصالحه الدنيوية والدينية. وقد يكون هذا الأمر أحياناً بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    من المهم طبعاً أن يتقن الناصح أسلوب النصح، وأن يعرف أن النصح ليس مجرد الكلام، بل أحياناً يكون بالنظرة أو السكوت أو غير ذلك، إذ المطلوب هو التأثير، وهذا قد يختلف أسلوبه بحسب الشخص، ولذا يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: «لَيْسَ لَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِمَا شِئْتَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ‏ «وَ لا تَقْفُ (أي لا تتّبع) ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»‏ وَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) قَالَ رَحِمَ‏ اللَّهُ‏ عَبْداً قَالَ‏ خَيْراً فَغَنِمَ‏ أَوْ صَمَتَ فَسَلِم‏».[7]

    فالمؤمن عليه أن ينصح إنطلاقاً من مبدأ الرحمة، ومع وعي الطرف المقابل أنك تريد مصلحته، وهذا ما لا يحدث أحياناً بسبب قلة الإنتباه أو سوء التوقيت. أحياناً قد تكون النصيحة إهانة للشخص خاصةً إذا كانت أمام الآخرين.

     

    حق الناصح

    ذكرنا حق المستنصح على الناصح، ولكن للناصح أيضاً حقٌ عليه. يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: «وَ أَمَّا حَقُّ النَّاصِحِ فَأَنْ تُلِينَ لَهُ جَنَاحَكَ ثُمَّ تَشْرَئِبَّ لَهُ قَلْبَكَ‏ وَ تَفْتَحَ لَهُ سَمْعَكَ حَتَّى تَفْهَمَ عَنْهُ نَصِيحَتَهُ ثُمَّ تَنْظُرَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ وُفِّقَ فِيهَا لِلصَّوَابِ حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَ قَبِلْتَ مِنْهُ وَ عَرَفْتَ لَهُ نَصِيحَتَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ وُفِّقَ لَهَا فِيهَا رَحِمْتَهُ وَ لَمْ تَتَّهِمْهُ وَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَأْلُكَ نُصْحاً إِلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مُسْتَحِقّاً لِلتُّهَمَةِ فَلَا تَعْبَأْ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرهِ‏ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ لاقُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه‏».[8]

    ما يُفهم من كلام الإمام عليه السلام هو وجوب التواضع لسماع النصيحة والعمل بها وشكر الله على هذه النعمة. أما إذا أخطأ الناصح فيجب اجتناب اتّهامه، بل يكون أحب الناس إلينا كما جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام: «لِيَكُنْ أَحَبُ‏ النَّاسِ‏ إِلَيْكَ‏ الْمُشْفِقَ النَّاصِحَ».[9]

    كما وردنا عنه عليه السلام أنه قال: «مَنْ‏ أَعْرَضَ‏ عَنْ‏ نَصِيحَةِ النَّاصِحِ‏ أُحْرِقَ بِمَكِيدَةِ الْكَاشِحِ (أي سيكون عرضة لمكر من عاداه».[10]

    ومن أعظم التوفيق العمل بالنصيحة لأن في ذلك السعادة، ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «مِنْ‏ أَكْبَرِ التَّوْفِيقِ‏ الْأَخْذُ بِالنَّصِيحَةِ [أي قبولها والعمل بها]».[11] و في رواية أخرى عنه عليه السلام: «مُنَاصِحُكَ‏ شَفِیقٌ عَلَيْكَ مُحَسِنٌ إِلَيْكَ نَاظِرٌ فِي عَوَاقِبِكَ مُسْتَدْرِكٌ فَوَارِطَكَ  (نواقصك) فَفِي طَاعَتِهِ رَشَادُكَ وَ فِي مُخَالَفَتِهِ فَسَادُكَ».[12]

    إن المطلع على أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله وروايات المعصومين عليهم السلام سيدرك أن تحوّل النصيحة والعمل بها إلى ثقافة عامة، يمكن أن يحل الكثير من المشاكل الشخصية. كل هذه المسائل تثبت الأبعاد الإجتماعية في الدين، وتبيّن لنا كيف أن الإسلام أرشدنا إلى قوانين دقيقة و لطيفة فيها صلاح المجتمع الذي يمكن أن يبني جنة الأرض.

    نسأل الله عزّ وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق وأداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم ويجلون أبصارَهم و يحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.                                                

                          آمین یا ربِّ العالمین            

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص269، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [2]. الاعراف/62.

    [3]. «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحين»(الاعراف/79).

    [4]. « فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى‏ عَلى‏ قَوْمٍ كافِرينَ»(الاعراف/93).

    [5]. الاعراف/21.

    [6]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص208، ح1، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [7]. عريضى، على بن جعفر، مسائل عليّ بن جعفر و مستدركاتها، ص344، ح847، قم، مؤسسة آل البيت(ع)، چ اول، 1409ق.

    [8]. ابن شعبه حرانى، همان.

    [9]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم و درر الكلم، ص549، ح73، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410ق.

    [10]. همان، ص631، ح1043.

    [11]. همان، ص674، ح55.

    [12]. همان، ص709، ح128.



    تعليق



    عرض غير العامة