facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 183765
    تاريخ نشره : 10/14/2016 1:49:00 PM

    معنى الحياة في الرؤية الحسينية

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    14.10.2016


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    في أيام شهادة أبي عبد الله الحسين عليه السلام، نغتنم الفرصة لبحث موضوع مهم في رؤية هذه الشخصية الإلهية الإسلامية، وموضوعنا هو معنى الحياة، والطريق إلى الحياة الواقعية.

    لقد شغل هذا الموضوع أذهان العلماء القدامى والحديثين، الذين عجزوا عن الوصول إلى تصوّر موحّد، فقدّم كلٌ منهم الفكرة التي يظنّها صحيحة، فمنهم من حصر الإنسان في مجال الحسيّات والماديّات، ومنهم من حسب أن الإنسان هو العقل، وعبّر آخر عن مكاشفاته وشهوده حول الإنسان، وقد سرى الخلاف في الرؤية الكونية إلى تعريف كرامة الإنسان وحقوقه وحريته وروحانيته وعقلانيته.

    كما اعتبر البعض الإنسان غنياً عن التعريف، لوضوح حقيقته، لكن التمعّن في هذا الأمر لا يسمح بقبول هذا الإدعاء. لا سيما في عصرنا الحالي الذي أبدع فيه الإنسان وقدم كل هذه الإختراعات والتطورات والإكتشافات، التي أدت أحياناً إلى شعوره بالغرور ونسيانه للخالق عز وجل.

    وبهذا يقوى الإيمان بأن معرفة حقيقة الإنسان غير ممكنة دون الإستعانة بالوحي، والقرآن يقول في هذا المجال: «لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فيهِ ذِكْرُكُمْ (و صحوتكم) أَ فَلاتَعْقِلُون».[1] هذا الكتاب يُنبئكم أنكم إذا اردتم التعرف على أنفسكم عليكم أن تستعينوا بالقرآن الذي هو كلام الله، فهو كتاب هداية «هُدىً لِلنَّاس».[2] وفي آية أخرى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدي لِلَّتي‏ هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنينَ الَّذينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبيراً ».[3]

    معرفة حقيقة الإنسان من خلال المعصومين عليهم السلام

    من أفضل الطرق الموصلة إلى الكمال، إتباع أحسن القول وأفضل الطرق لمعرفة النفس، وهذا يعني البحث عن الأشخاص الذين سلكوا طريق القرآن، فكانوا لسانه الناطق، فهؤلاء، هم الذين يستطيعون تقديم تعريف صحيح ودقيق للإنسان. هم النبي الأكرم والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، وهم المخاطبون الحقيقيّون بالقرآن، وقد اعترف الجميع بفضلهم وتفوقهم علمياً وروحياً، وقد عبّر عنهم القرآن بأنهم المطهّرون وأنهم الأسوة التي يُقتدى بها.

    حقيقة الحياة والإنسان في الرؤية الحسينية

    يُعَدّ الإمام الحسين عليه السلام شخصية إلهية معروفة عند المسلمين وغيرهم، وقد قدّم لنا تعريفاً عميقاً للحياة والإنسان، يمكن أن نستلهم منه على قدر استطاعتنا. من الواضح أن مفهوم الحياة عند الإنسان لا يقتصر على الحياة الظاهرية والحيوانية والتنفس، وحياته لا تنحصر بهذه الدنيا المحدودة: «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُون‏».[4] حياة الإنسان تُحسب على أساس القابليات والرؤية والتوجهات. عمر الإنسان الحقيقي ليس بالوقت، بل بدرجة فهمه وإدراكه وأخلاقه وعمله الحسن. هذا ما يصنع شخصية الإنسان ويعطيه درجة الإنسانية «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ».[5] فيجب إذن على الإنسان أن يضاعف جهوده للتعرف على نفسه لأنه لم يخلق للفناء، وإذا أقدم على خيارات صحيحة سيحصل على آخرة حسنة و خالدة «وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُون».[6]

    هذا بالطبع لا يعني أن هذه الدنيا بلا معنى، بل على الإنسان أن يكسب آخرته، من خلال استثمار هذه الدنيا بالعمل، ولهذا عندما أراد الإمام الحسين عليه السلام السفر إلى كربلاء قال: «إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَ تَنَكَّرَتْ وَ أَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ وَ خَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ».[7] وفي كلام آخر له عليه السلام قال عن الحياة التي يديرها حكام ظالمون «لا أرى الموت إلا سعادة والحَياةَ مَعَ‏ الظّالِمينَ‏ إلّا بَرَماً‏».[8] هذا ما يستدعي تعميق المعرفة بكل أبعاد الإنسان لمعرفة منزلته والطريق الذي يجب أن يسلكه.

    ما يستفاد من كلمات الإمام الحسين عليه السلام أن شخصية الإنسان تُختصر في كونها إلهية، وهذا يعني أن:

    1-     تطيع الأوامر الإلهية

    2-     تسعى لكسب رضا الله

    3-     تسير في طريق الحق

    4-     تواجه الباطل

    فعلى أن يسعى الإنسان لكشف طاقاته وصدق سريرته في مواطن البلاء، التي تساوق المصاعب بطبيعة الحال، ليخرج منتصراً بإيمانه راسخ من هذه الإمتحانات، وينال العزة كمكافأة على صحة خياره، والإمام الحسين عليه السلام يقول: «لَیس الموتُ فی سبیلِ العِزِّ إلّا حیاةً خالدةً».[9]

    الحياة لا تقتصر على الأكل واللبس والسلطة والثروة واللذات المادية... الحياة فكرة و عقيدة و أخلاق. يجب أن يصل الإنسان إلى مرحلة تكون فيها جميع تصرفاته مستندة إلى الحق، وأن يكون مستعداً للتضحية بنفسه من أجل هذه العزة، ولذا قال الإمام الحسين عليه السلام: «مَوْتٌ فِي عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي ذُلٍّ».[10]

    نتائج التوجه الدنيوي المفرط

    هناك البعض للأسف غرقوا في مظاهر الدنيا، وباتوا مستعدين لارتكاب أي جريمة مقابل الحصول على هذه الملذّات الزائلة، ولذا يقول الإمام الحسين عليه السلام: «إنَّ النّاسَ‏ عَبيدُ الدُّنيا، وَالدّينُ لَعقٌ عَلى‏ ألسِنَتِهِم‏ يَحوطونَهُ ما دَرَّت مَعايِشُهُم، فَإِذا مُحِّصوا بِالبَلاءِ قَلَّ الدَّيّانونَ».[11]

    نتائج الحياة الطيبة في الرؤية الحسينية

    عندما يحمل الإنسان فكراً صحيحاً و يتحرك في الطريق الصحيح، سيصبح كائناً إلهياً وسيتحلى بالصفات الإلهية، ولن يبتعد عن الحق في أي لحظة من حياته، لأنه سيفضّل رضا الله على أي شيء آخر، وسيكون الله سنده في كل شيء كما قال الحسين عليه السلام: «اللَّهُمَ‏ أنتَ ثِقَتي في‏ كُلِ‏ كَربٍ»[12] سيقف في وجه الظَّلَمة ويقاومهم بقوة إيمانه وسيحاول نشر العدالة الحقيقية في المجتمع.

    الخاتمة

    لقد علّمنا الإمام الحسين عليه السلام أن الغفلة عن ذكر الله ونسيان الله عامل مهم جداً يؤدي إلى الغوص في الذنوب، وحب الدنيا واتباع الهوى، حتى أنه أدى ببعض الناس في مرحلة من التاريخ إلى ارتكاب أفظع الجرئم بأبشع الطرق في أرض كربلاء، حتى استحقوا اللعن الأبدي. إن البشر اليوم بامسّ الحاجة إلى الإقتداء بالإمام الحسين عليه السلام بالعمل، لكي يفهموا المعنى الحقيقي للحياة ويرسموا المسار الصحيح فيها.



    [1]. الانبیاء/10.

    [2]. البقرة/185.

    [3]. الإسراء/9.

    [4]. الروم/7.

    [5]. فاطر/10.

    [6]. العنکبوت/64.

    [7]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص245، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [8]. الطبرانی، أبو القاسم سليمان بن أحمد، المعجم‏ الكبير، ج3، ص115، ح2842، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1404ق.

    [9]. امین، سید محسن، اعیان الشیعة، ج1، ص581، تحقیق حسن الأمین، بیروت، دار التعارف للمطبوعات، بی­تا.

    [10]. ابن شهر آشوب، محمد بن على، المناقب لإبن شهر آشوب، ج4، ص68، قم، علامه، چ اول، 1379ق.

    [11]. ابن شعبه حرانى، تحف العقول، همان.

    [12]. الواقدي، محمّد بن سعد كاتب، الطبقات‏ الكبرى‏، (الطبقة الخامسة من الصحابة)، ج1، ص468، بیروت، دار صادر، بی­تا. و كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص578، ح5، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق، (نحوه).



    تعليق



    عرض غير العامة