facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 183974
    تاريخ نشره : 10/28/2016 4:11:00 PM

    معرفة الإسلام 192 ـ الإسلام والحقوق الخلاقية 37

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    21.10.2016


    إن التعاليم الإسلامية المستقاة من القرآن الكريم وتراث الرسول وأهل البيت عليهم لاسلام، تقدم للإنسان برنامجاً يمكن أن يعيش من خلاله حياةً طيبةً، وأن يحقق السعادة في الآخرة، وهذا ما يحاول علماء الدين أن يدعوا الناس إليه، إذ عندما تطبّق هذه التعاليم، ويعيش الناس وفق هذه المبادئ ستعمّ المحبة والألفة بين الناس.

     حق من أساء

    لقد قدّم الإسلام سبلاً لحل المشاكل بين الذين أساؤا إلى بعضهم البعض، فشجّعهم على الصفح والتسامح، كما جاء في القرآن الكريم «وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ»[1]  و قوله تعالى «فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ».[2] وقد بيّن لنا الإمام زين العابدين عليه السلام كيف يكون التعاطي مع من أساء، حيث قال عليه السلام: «أَمَّا حَقُ‏ مَنْ‏ سَاءَكَ‏ الْقَضَاءُ عَلَى يَدَيْهِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَإِنْ كَانَ تَعَمَّدَهَا كَانَ الْعَفْوُ أَوْلَى بِكَ لِمَا فِيهِ لَهُ مِنَ الْقَمْعِ وَ حُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ كَثِيرِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْخَلْقِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ:‏ «وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى قَوْلِهِ‏ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ».[3] وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏ «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ‏».[4] هَذَا فِي الْعَمْدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمْداً لَمْ تَظْلِمْهُ بِتَعَمُّدِ الِانْتِصَارِ مِنْهُ فَتَكُونَ قَدْ كَافَأْتَهُ فِي تَعَمُّدٍ عَلَى خَطَإٍ وَ رَفَقْتَ بِهِ وَ رَدَدْتَهُ بِأَلْطَفِ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه».[5]

    مقابلة الإساءة بالإحسان في القرآن والروايات

    لقد دعا القرآن الكريم والروايات إلى مساعدة الآخرين والإحسان إليهم، وإلى مخاطبة الناس بالتي هي أحسن وبالقول اللّين، وعندما أرسل الله موسى عليه السلام إلى فرعون أمره أن يخاطبه بلِين «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى»[6] والقرآن يوصي بمقابلة الإساءة بالإحسان فيقول: «وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ * وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيمٍ».[7] إن التعاطي الكريم المبني على التسامح يصفّي القلوب ويحافظ على العلاقات، إلا إذا أدى هذا إلى المزيد من الجرأة عند المسيء، ففي هذه الحالة لا بد من المجازاة ليرتدع، ولذا قال الله عز وجل:

     

    «وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ».[8] وقال تعالى أيضاً: «وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرين».[9]

    يقول الإمام السجاد عليه السلام إن الإساءة تصرّف غير إنساني، وهو لا يخرج عن حالتين:

    1ـ أن يكون صادراً عن عمد

    2ـ أن يكون على سبيل الخطأ والسهو

    ومن الواضح أن يكون التعاطي مع الخطأ غير مقصود باللطف والتسامح. لكن إذا كان الخطأ عمدياً، فيُفضّل أيضاً التحلي بروح التسامح والعفو لكي نقضي على الأحقاد ونحافظ على المحبة والصداقة. طبعاً هذا العفو مطلوب إذا كان الخطأ بحق الفرد، أما إذا كان الخطأ بحق المجتمع فيجب أن يكون العفو من المجتمع، وأن لا يؤدي ذلك إلى تجرؤ مرتكب الخطأ على تكراره و التمادي فيه. لكن على كل حال يُشجّع الإسلام على العفو، وتأديب الآخرين بالعفو عنهم.

    نتائج العفو العام على المجتمع

    بعد فتح مكة في العام الثامن للهجرة أصدر الرسول صلى الله عليه وآله ذلك العفو العظيم، رغم أن البعض أراد الإنتقام، فأصدر عفواً عاماً، حتى عن الذين أرادوا به سوءاً، فجعل بيوتهم آمنة لمن لجأ إليها. وهذه هي الرأفة الإسلامية التي أكد عليها القرآن والرسول صلى الله عليه وآله، وهي أفضل أنواع العفو، أي الذي يأتي مع المقدرة، كما قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «أَحْسَنُ‏ الْعَفْوِ مَا كَانَ عَنْ قُدْرَة».[10] وقال في مورد آخر: «عِنْدَ كَمَالِ‏ الْقُدْرَةِ تَظْهَرُ فَضِيلَةُ الْعَفْوِ».[11] وروي عنه عليه السلام في الكلمات القصار من نهج البلاغة أنه قال: «إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْه‏».[12] ولذلك عندما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة، وبعد اعتلائه هذا المستوى من القوة قال لأهل مكة: «مَا ذَا تَقُولُونَ وَ مَا ذَا تَظُنُّونَ قَالُوا نَظُنُّ خَيْراً وَ نَقُولُ خَيْراً أَخٌ كَرِيمٌ وَ ابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ وَ قَدْ قَدَرْتَ قَالَ فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ‏ لاتَثْرِيبَ‏ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين‏».[13] ثم قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ‏ الطُّلَقَاءُ».[14]  

    العفو العام في ظل الدفاع عن المظلومين

    صحيحٌ أن الإسلام أمر بالعفو، لكنّه لم يسمح بالظلم. لطالما كان هناك أشخاص ظالمين ليس هناك من يردعهم، وكانوا يستمرون في ظلمهم، وآخرون مظلومين، ولا بد والحال هذه بحكم العقل والمنطق والقرآن من الدفاع عن المظلوم، كما قال الله تعالى: «وَ الَّذينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (لا يستسلمون ويطلبون المساعدة من غيرهم ».[15] ففي هذه الحالة تجب مساعدتهم: « وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْر».[16] ولذا لا

    مشكلة في تقديم المساعدة أو طلبها في هذه الحالة: «وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبيل».[17]وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الشأن: «كُونَا لِلظَّالِمِ‏ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْنا».[18]

    نسأل الله أن تصبح ثقافة العفو والتسامح سلوكاً إنسانياً يندرج ضمن القوانين الأخلاقية الذهبية في العالم الإسلامي والمجتمع الإنساني ليعم السلام والعدل.

      



    [1]. النساء/128.

    [2]. الحجرات/10.

    [3]. الشوری/41.

    [4]. النحل/126.

    [5]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص271، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [6]. طه/44.

    [7]. فصلت/34ـ35.

    [8]. الشوری/43.

    [9]. النحل/126.

    [10]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم و درر الكلم، ص204، ح360، قم، دار الكتاب الإسلامی، چ دوم، 1410ق.

    [11]. همان، ص455، ح16.

    [12]. نهج البلاغة، الحکمة/11.

    [13]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج4، ص225، ح3، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407 ق.

    [14]. همان، ج3، ح2.

    [15]. الشوری/39.

    [16]. الانفال/72.

    [17]. الشوری/41.

    [18]. نهج البلاغة، نامه/47.



    تعليق



    عرض غير العامة