facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 184169
    تاريخ نشره : 11/15/2016 11:45:00 AM

    معرفة الإسلام 194 ــ الإسلام والحقوق الأخلاقية 39

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    04.11.2016

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    لقد حمل لنا الدين الإسلامي قوانين ذهبية ينبغي لنا كمسلمين التعامل مع الآخرين على أساسها، سواءً كانوا على ديننا، أم على دينٍ آخر؛ حيث نجد في الآيات الكريمة دعوة لنا للعمل بها، كقوله تعالى: «وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً»،[1] و «وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ»،[2] و یا «إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُم»[3].

    الإسلام دين السلام والسكينة

    إن التدبّر في هذا النوع من الآيات وفي الروايات الإسلامية، يؤكّد لنا بما لا يقبل الشك أن الإسلام يشجّع على الحياة المسالمة، وأنه طالما لم يتآمر الطرف المقابل ضدنا و لم يسعَ لخلاف بين المسلمين، أو يتوسّل المالَ والقوةَ للإستعمار، فلا مانع من بناء علاقات معه، والله عز و جل يقول: «لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين».[4]

    جهود المغرضين لبث كراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا)

    من المؤسف أن البعض من أصحاب الفهم الخاطئ للنص الديني، إنتَقَوا بعض الآيات وسَعَوا لإعطاء صورة مقلوبة عن المبادئ الإسلامية الأصيلة، ممّا أخاف الآخرين من هذا الدين. طبعاً هناك حفنة من المغرضين الأُجراء، الذين يُقْدِمون على بعض الإرتكابات باسم الإسلام، والإسلام بريء من أفعالهم، ولطالما كانت هذه هي الحال عبر التاريخ بين أتباع جميع الأديان، حيث ظهر هذا الصنف من الناس المثيرين للتفرقة والخلافات.

    وليت الناس يرجعون في كل عصر إلى المتخصصين في كل دين، ويسعون إلى فهم الدين بطريقة إجتهادية صحيحة.

    لعلّنا إذا بحثنا عن منشأ الإنحرافات الفكرية أو هذه  الإدعاءات المضللة، سنجد أن هناك البعض ممّن ارتبطت مصالحهم  ببث الفرقة والتخويف من الإسلام، وكانوا من قادة هذا التيّار المنحرف، واستغلّوا الجهلاء للوصول إلى مآربهم.

     

    رسالة الأديان الإلهية سعادة البشرية وكمالها

    لا شك أن الإسلام وسائر الأديان الإلهية إنما جاءت لإسعاد البشر في الدنيا والآخرة، وبالتالي لا يمكن أن ننسب إليها العنف والرعب، حيث إن جميع الأنبياء الإلهيين حاولوا إيصال رسالتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، لإرشادهم إلى الحقيقة والطريق الصحيح، ولذا نجد أن تعاليم الأنبياء تأمر ببناء علاقات سليمة مع جميع البشر وإن اختلفوا في الدين. طالما أن الطرف المقابل لم يقم بأعمال عدائية، لا حاجة لخلق حواجز بيننا و بينهم. إن الأئمة المعصومين عليهم السلام قادتنا و هم مرجعيتنا العلمية والدينية والمعنوية، وإن الأحكام الدينية النورانية، وتعاليم أئمتنا عليهم السلام توصينا بأن نتعايش بسلام مع الآخرين.

    حق أهل الكتاب

    يقول الإمام زين العابدين عليه السلام متحدّثاً عن أهل الكتاب:

    «وَ أَمَّا حَقُ‏ أَهْلِ‏ الذِّمَّةِ فَالْحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا قَبِلَ اللَّهُ وَ تَفِيَ‏ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ ذِمَّتِهِ وَ عَهْدِهِ وَ تَكِلَهُمْ إِلَيْهِ فِيمَا طُلِبُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أُجْبِرُوا عَلَيْهِ وَ تَحْكُمَ فِيهِمْ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا جَرَى بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ مِنْ مُعَامَلَةٍ وَ لْيَكُنْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ظُلْمِهِمْ مِنْ رِعَايَةِ ذِمَّةِ اللَّهِ وَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَ عَهِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص) حَائِلٌ فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِداً كُنْتُ خَصْمَهُ فَاتَّقِ اللَّهَ وَ لَا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏ ».[5]

    إن أي إنسان فطن سليم السريرة يطّلع على ما تفضّل به إمامنا زين العابدين عليه السلام، سيجد أنّ العدالة هي النبراس الذي أمرنا الإمام بالمشي خلفه في التعاطي مع أهل الكتاب أو غير المسلمين حتى، وهذا هو المبدأ الأساسي في مبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان.

    حق أهل الكتاب في الروايات

    ورد الكثير من التوصيات حول هذا الموضوع في تعاليم أئمة الإسلام، سنشير إلى نماذج منها، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «وَ إِنْ جَالَسَكَ‏ يَهُودِيٌ‏ فَأَحْسِنْ مُجَالَسَتَهُ».[6] وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال إنّ «النَّبِيَّ(ص) عَادَ يَهُودِيّاً فِي مَرَضِهِ».[7] كما ورد عن الامام الصادق عليه السلام: «إنَّ أميرَ المُؤمِنينَ(ع) صاحَبَ‏ رَجُلًا ذِمِّيّاً، فَقالَ لَهُ‏ الذِّمِّيُّ: أينَ تُريدُ يا عَبدَ اللَّهِ؟ فَقالَ: اريدُ الكوفَةَ. فَلَمّا عَدَلَ الطَّريقُ بِالذِّمِّيِّ عَدَلَ مَعَهُ أميرُ المُؤمِنينَ(ع)، فَقالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: ألَستَ زَعَمتَ أنَّكَ تُريدُ الكوفَةَ؟! فَقالَ لَهُ: بَلى‏. فَقالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: فَقَد تَرَكتَ الطَّريقَ! فَقالَ لَهُ: قَد عَلِمتُ. قالَ: فَلِمَ عَدَلتَ مَعي وقَد عَلِمتَ ذلِكَ؟! فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ(ع): هذا مِن تَمامِ حُسنِ الصُّحبَةِ؛ أن يُشَيِّعَ الرَّجُلُ صاحِبَهُ هُنَيئَةً إذا فارَقَهُ، وكَذلِكَ أمَرَنا نَبِيُّنا(ص). فَقالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: هكَذا قالَ؟! قالَ: نَعَم. قالَ الذِّمِّيُّ: لا جَرَمَ، إنَّما تَبِعَهُ مَن تَبِعَهُ لِأَفعالِهِ الكَريمَةِ، فَأَنَا اشهِدُكَ أنّي عَلى‏ دينِكَ. ورَجَعَ الذِّمِّيُّ مَعَ أميرِ المُؤمِنينَ(ع)، فَلَمّا عَرَفَهُ أسلَمَ».[8] وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام حول هذا الموضوع: «لَا يَنْبَغِي وَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ‏ يَقْذِفَ‏ يَهُودِيّاً وَ لَا نَصْرَانِيّاً وَ لَا مَجُوسِيّاً بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْهُ».[9]

    فيُستفاد من مجموع هذه المعارف والتعاليم أن على المسلمين جميعاً أن يراعوا الحقوق الأساسية لأهل الكتاب، بل لكل إنسان، وأن يسعوا لبناء حياة يسودها التعايش السلمي مع الآخرين، لأن حقوقهم في الدولة الإسلامية على قدرٍ من الأهمية بحيث إن الإمام السجّاد عليه السلام يقول: « وَ لْيَكُنْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ظُلْمِهِمْ مِنْ رِعَايَةِ ذِمَّةِ اللَّهِ وَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَ عَهِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص) حَائِلٌ».

    ثم ينقل إمامنا السجّاد عليه السلام جملة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِداً كُنْتُ خَصْمَهُ" ثم يأمرنا الإمام عليه السلام بالقول: "فَاتَّقِ اللَّهَ وَ لَا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" وهذا حضٌّ لنا على القيام بواجبنا الإنساني.

    وهكذا نجد أن حقوق الأقليات الدينية في الإسلام محترمة، كما تشهد بذلك هذه الحادثة التاريخية التي تحدث عنها أمير المؤمنين عليه السلام فقال: «لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلَائِدَهَا وَ رُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ‏ وَ الِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَ لَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً».[10]

    ونقل عن أمير المؤمنين عليه أن رجلاً كبيراً في السن وأعمى كان يتسوّل فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «مَا هَذَا فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَصْرَانِيٌّ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) اسْتَعْمَلْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا كَبِرَ وَ عَجَزَ مَنَعْتُمُوهُ أَنْفِقُوا عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.[11]

    من المؤسف أن هذه الأحكام النورانية في الإسلام غير معروفة، لأن وسائل الإعلام لا تعمل على نشر الإسلام الصحيح، وتبيين التعاليم الأخلاقية والمعنوية العقلائية. لو أن هذه المعارف بُيِّنَت واعتُمدت في الحياة العملية، لما عارض الإسلام أحد، إذ أن هذه المعارف تحمل في طياتها سعادة البشر.

    فعلى جميع المسلمين أن يسعوا لتحكيم الإنصاف والإحسان في سلوكهم، فلا يظلمون ولا يعتدون، بل يسعون في حل المشاكل الفكرية والعقائدية والأخلاقية عندهم و عند غيرهم لينال البشر الكرامة الإنسانية التي يستحقونها.

    ختاماً نشير إلى أن النتيجة المستفادة من المحاضرات الواحدة والثلاثين حول حقوق الإنسان والمحاضرات التسعة وثلاثين حول الحقوق والأخلاق، هي وجوب حفظ الحق في الإسلام، أياً يكن صاحبه، حفاظاً على مقام الإنسان، وذلك عبر الأساليب التربوية والمبادئ الأخلاقية، منعاً لظلم أي شخص، ولكي يتمكن الجميع من العيش بسلام وسلوك طرق التكامل.

    نسأل الله أن تشهد البشرية يوماً تتجسد فيه العدالة بمعناها الحقيقي في كل المجتمعات، يوماً يُستأصل فيه الظلم من العالم، ولا يبقى فيه للتمييز المجحف والظلم والفقر أي مكان، بإذن الله.



    [1]. البقرة/83.

    [2]. القصص/77.

    [3]. الإسراء/7.

    [4]. الممتحنة/8.

    [5]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص271، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [6]. ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص404، ح5872، قم، دفتر انتشارات اسلامى، چ دوم، 1413ق.

    [7]. ابن اشعث، محمد بن محمد، الجعفريات، ص159، تهران، مكتبة النينوى الحديثة، چ اول، بى­تا.

    [8]. (كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص670، ح5، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.).

    [9]. ابن حيون، نعمان بن محمد مغربى، دعائم الإسلام، ج2، ص460، ح1622، قم، مؤسسة آل البيت(ع)، چ دوم، 1385ق.

    [10]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص5، ح6. و نهج البلاغة، الخطبة/27.

    [11]. (طوسى، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، ج6، ص239، ح811، تهران، دار الكتب الإسلاميه، چ چهارم، 1407ق.).



    تعليق



    عرض غير العامة