facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 184170
    تاريخ نشره : 11/15/2016 11:55:00 AM

    خصائص أولي الألباب في القرآن (1)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
     
    11.11.2016



    الموضوع: خصائص أولي الألباب في القرآن (1)

    إن الأنس بالقرآن أحد أهم المواضيع التي يجب أن يوليها المسلمون عناية خاصة، فالقرآن كتاب المسلمين المقدس، وهو نهج السعادة والعبودية الحقيقية، وإذا أراد المسلم أن يأنس بهذا الكتاب النوراني لا بد له من قرائته والتدبر فيه. علينا أن نقيّم أنفسنا بالقرآن من الناحية التربوية، لنعرف درجتنا، ونكتشف عيوبنا، وهذه خطوة مهمة جداً نحو إصلاح أنفسنا. فسلوك المسلم يجب أن يكون موافقاً لتعاليم القرآن الكريم. لكن للأسف الكثير ممّن ظاهرهم الإسلام اليوم، لا يجيدون أبسط الطرق لبناء علاقة مع القرآن، أي لا يجيدون قرائته، فضلاً عن التدبّر فيه.

    الأنس بالقرآن مقدمة لهداية الإنسان

    من الواضح أن التعاطي الصحيح مع القرآن الكريم سيجعلنا ندرك أنه أعظم كتاب هداية، وأنه خير أنيس، بشرط أن نحفظ حرمة هذا الكتاب النوراني، وأن نرى فيه كتاب الحياة وعنوان سعادة البشرية، وهذه النظرة خطوة أساسية في حركتنا نحو الهداية. عندما يصلح المسلم علاقته بالقرآن سينال بركاته وينال سعادة الدنيا والآخرة. لهذا قرّرنا أن نطرح في خطبنا آيات مختارة من القرآن الكريم، على أمل أن يكون ذلك من التدبّر الذي يهدي المسلمين ويرشدهم إلى التفكير الصحيح، والتكليف الواضح، والعمل الصحيح.

    تفتّح زهور الأفكار بالأنس بالقرآن

    يريد القرآن الكريم أن تتفتح قابليات البشر الجمة، ويقدم لهم الإرشادات مرحلةً بعد أخرى، فمن الناس من يستفيد من هذه الإرشادات ويسير نحو الهدف، ومنهم من يضيّع هذه القابليات ويختار طريق الإنحراف، وهذا ما يقوله الله عز وجل: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُورا».[1] وفي آية أخرى: «وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْن (طريقي الحق والباطل)».[2]

     

    هذه الآيات الكريمة تخبرنا أن الإنسان باختياره للطريق إما أن يكون سبباً في تفتّح قابلياته وسيره في طريق الكمال، والتحلي بنوعٍ محدد من الصفات، أو سبباً في تضييع قابلياته واكتسابه نوعاً آخر من الصفات.

     

     من الصفات التي يمكن أن يحصل عليها من يسلك الطريق الصحيح: "الصبور، الشكور، العابد، الزاهد، العالم، العاقل، المؤمن، التقي... وغيرها". أما الصفات التي تنتظر من يسلك طريق الضلال فهي: "الكفر، النفاق، الشرك، الظلم، العصية، الفسق... وغير ذلك". طبعاً كل واحدة من هذه الصفات تحمل في طياتها مسائل مهمة.

     

     

     

    أوصاف أولي الألباب في القرآن الكريم

    يستخدم القرآن الكرم عبارة "أولي الألباب" في وصف أصحاب الأهداف والسائرين على نهج الحق، وقد ورد هذا التعبير في عدة آيات بمعنى أصحاب العقل والذكاء والفكر[3].

    من مميّزات هؤلاء أنهم يتقبّلون الحق بسهولة عند رؤيته، لأنهم عرفوا الطريق الصحيح وحدّدوا الهدف. هؤلاء لا يكتفون بظاهر الأمور، بل يعملون على إصلاح الباطن ومعرفة الحقيقة. لقد ذكرت الآيات "19-25" من سورة الرعد صفات لأولي الألباب، وتحدثت عن النوع المخالف لهم، فينبغي التمعّن في مفاهيم هذه الآيات.

     

    بداية تقول الآية 19: «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْباب‏».[4] تقول لنا هذه الآية بوضوح أن أولي الألباب هم الذين يؤمنون بأن الكتاب الذي نزل على رسول الله هو كتاب الله الحق، وأن ما جاء فيه يشكّل برنامجاً وخارطة طريق توصل الإنسان إلى سعادة الدنيا والآخرة بكل تأكيد، وشتّان ما بين هؤلاء وسواهم من غير المؤمنين، الفاقدين للبصيرة، الذين لم يروا طريق الإنسان وهدفه. فهذه الآيات تعتبر أن أولي الألباب هم أشخاص حملوا هذه المعتقدات وعملوا على أساسها.

     

    بعد ذلك تستكمل الآيات عرض خصائص أولي الألباب، فتذكر الأولى منها: «الَّذينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ».[5] وفقاً للآيات السابقة، واستناداً إلى الآيات القرآنية الأخرى، يتّضح لدينا أن عهد الله هو عهد العبادة والعبودية والسير على صراطه المستقيم: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَني‏ آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ * وَ أَنِ اعْبُدُوني‏ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ».[6] تقول هذه الآية، لو أن البشر التزموا بعهدهم، لعرف كل شخص منزلته، وحقّه. لا بد للإنسان أن يعرف أنّه مخلوق لله، وأن لا يتعدى الحدود، فلا يدّعي الربوبية والملك، فالجميع خلق الله وعباده. إن العبودية فخر الأنبياء، واختلاف الدرجات يكون على أساس شدة العبودية، ونحن نشهد في الصلاة أولاً أن النبي محمد صلى الله عليه وآله عبدٌ لله، وبعد ذلك هو رسول «أَشْهَدُ أَنَ‏ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُه‏».. وهكذا يتّضح أن على الإنسان أن يحافظ على عهده، فلا يخرج عن العبودية، ولا يحيد عن الصراط المستقيم.

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    ثم يذكر لنا الله تعالى ثاني علامات "أولي الألباب" فيقول: «وَ الَّذينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِساب‏».[7] و من مصاديق هذا الوصل المأمور به صلة الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، وصلة الأرحام، خاصةً الوالدين.

    هنا لا بد من الإشارة إلى أن الإسلام يشجّع على كل علاقة تساهم في نضج الإنسان وكماله على الصعيدين الفردي والإجتماعي، كعلاقة الإنسان بالدين والله، العلاقة مع أولياء الله والقادة الدينيين، ومع أصحاب المقامات العلمية والمعنوية العالية. هذا النوع من العلاقات يقوّي الفكر والعقيدة والأخلاق، ويذكّر الإنسان بفلسفة وجوده والهدف من خلقه، ويصحّح العلاقات بين بني البشر.

    هناك أيضاً تشجيع خاص على صلة الرحم، لما فيها من خيرات وبركات، حتى لو قطعها الآخرون، علينا أن نبحث عن طرق لترميم ما فسد منها، وهذا كله من علامات رجحان العقل، وهذا ما شجّعت عليه الآية من التزام المؤمنين العقلاء أولي الألباب بالعهود والعقود الإجتماعية.

     

     

     

     



    [1]. الإنسان/3.

    [2]. البلد/10.

    [3]. بقره/179، 197، 269؛ آل عمران/7 و 19؛ مائده/100؛ یوسف/111؛ رعد/19؛ ابراهیم/52؛ ص/29ـ42؛ زمر/9و18؛ غافر/54؛ طلاق/10.

    [4]. الرعد/19.

    [5]. الرعد/20.

    [6]. یس/60 و61.

    [7]. الرعد/21.



    تعليق



    عرض غير العامة