facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 184240
    تاريخ نشره : 11/18/2016 3:04:00 PM

    خصائص أولي الألباب في القرآن 2

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    18.11.2016



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

     تحدثنا سابقاً عن أوصاف "أولي الألباب" في سورة الرعد، في الآيات التاسعة عشرة و ما بعدها، فذكرنا "الوفاء بالعهد" و "المحافظة على العلاقة مع الله والإنسان". وهنا نستكمل الكلام حول نفس الموضوع، حيث وصل بنا الكلام إلى "خشية الله"[1]. هذه ثالث صفات أولي الألباب. الإنسان المؤمن بالله صاحب العظمة الحقيقية وأصل وجود الكائنات جمعاء، ينتابه شعور خاص عند توجه قلبه إلى رب العالمين، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (أي أن العلماء فقط هم من يخشى الله عز و جل)».[2]

    مقام الخوف وأنواعه

    فإذن من صفات أولي الألباب البارزة الخوف من الله تعالى، كما جاء في الآية 21 من سورة الرعد: «وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِساب‏». التدقيق في الآية الكريمة يوحي أن المقصود من "الخوف" هو حذر المؤمن من العدل الإلهي والمحكمة الإلهية، وهذا من الخوف الممدوح والبنّاء الذي يساعد الإنسان على مراقبة نفسه أكثر.

    هناك طبعاً أنواع من الخوف، منها الخوف الممدوح، ومنها الخوف المذموم، ومنها الخوف الطبيعي. فالخوف الممدوح هو الذي يحصل نتيجة دليل عقلي، كخوف الإنسان من سوء الحساب بسبب سلوكه. في الواقع خوف الإنسان في هذه الحالة من نفسه وتصرّفاته التي تحدد مصير شخصيته. ولهذا تقول الآية: «وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فإن الجنة هي المأوى»[3]. فالخوف من الله يعني الخوف من حكم الله في محكمة عدله.

    أما الخوف المذموم فمن قبيل الخوف من الظلام، والخوف من الميّت، حيث إن الإنسان العالم يعرف أن الخوف في هذه الحالات غير مبرّر.

    وهناك نوع ثالث من الخوف، لا ممدوح ولا مذموم، وهو الخوف الطبيعي الذي يحصل بسبب تركيبة الإنسان. كالخوف من الحيوان المفترس، حيث يلجأ الإنسان في هذه الحالة إلى مكان يختبئ فيه لكي لا يهاجمه هذا الحيوان.

    على كل حال، تبيّن لنا الآية الكرامة واحدةً من صفات أولى الألباب، وهي خشية الله الناتجة عن حكمتهم ومعرفتهم، وقد ورد في رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «خَشيَةُ اللَّهِ‏ رَأسُ‏ كُلِ‏ حِكمَةٍ».[4] هذا أفضل أنواع الخوف، والذي يشعر به هم أولو الألباب، لأنهم يشعرون بفقرهم و حقارتهم أمام الغني المطلق، الله تعالى. هؤلاء لا يرون أنفسهم شيئاً أمام الله. هذه حالة تحصل مع أصحاب المعرفة الأصيلة والعقل الخالص، حيث يشعر المؤمنون بالنقص في أنفسهم  و يخافون من التقصير في أداء حق الله تعالى.

     

     

    مقام الصبر، شكلاً ومضموناً

    من الصفات البارزة في أولى الألباب صبرهم على المصاعب التي يمتحنهم الله عز وجل بها، لينالوا رضاه. لذا يقول الله عز وجل عنهم: «الَّذينَ صَبَرُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون».[5] هذه الآية تكشف لنا أن الصبر ليس بمعنى الرضوخ والسكون، بل المقاومة والصمود، عبر أداء الواجبات ـ وفق المطلوب ـ حيناً، وبترك المحرمات حيناً آخر، أو بمواجهة المشاكل والمصائب، حيث إن كل قسم من هذه الأقسام له أجره الخاص.

    ومن الواضح أن كل إنسان ينال نصيبه من الكمال وينال مقامه ودرجته المناسبة بحسب سعيه وجهاده، وهو ما قاله تعالى في كتابه: «إِنَّ الَّذينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتي‏ كُنْتُمْ تُوعَدُون‏».[6] فالصبر والصمود في طريق العبودية هدفه الوصول إلى مقام القرب الإلهي، ليكون القلب كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «الْقَلْبُ‏ حَرَمُ‏ اللَّهِ فَلَا تُسْكِنْ حَرَمَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّه‏».[7] فعباد الله الصالحين والمؤمنين هم الذين يصبرون طلباً لرضى الله عز و جل لا رياءً ولا حباً للظهور! تحمّلوا المصاعب ليرضى الله فقط.

    هذا النوع من الأشخاص يرضى بكل ما يقدّره الله تعالى له في الدنيا. «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون‏».[8] وتراهم لا يشعرون بالحسد تجاه من أقبلت عليهم الدنيا، بل يقولون بكل صدق:«هنيئاً لأربابِ‏ النَّعيمِ‏ نَعيمُهُم». ما يهمهم هو هل عملوا في اليوم الماضي عملاً يكسبون به رضا الله؟ هل تمكّنوا من التقرب إلى الله أكثر؟ لهذا يذكر الله عز وجل لنا قصص الأنبياء الذين كانوا قدوةً في الصبر والصمود كالنبي أيوب عليه السلام: «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذاب».[9] وفي آية أخرى: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب‏».[10]

    لقد حصل هذا النبي على وصف "الصابر" بعد أن خاض الامتحانات القاسية التي امتحنه به الله الحكيم، حيث تحمّل هذا النبي الإلهي أنواع البلايا والمصائب؛ فقد أمواله وأولاده، وعانى من الأمراض الشديدة جداً، ولكنّه بقي شاكراً لله عز و جل. اختلفت الروايات حول المدة التي استمرّت فيها بلاءات هذا النبي الكريم، فقيل سبع سنوات، وقيل إنها استمرت ثمانية عشرة سنة.[11] عندما ابتلي هذا النبي الكريم بهذه البلاءات الصعبة تركه كل الناس ما عدا زوجته المؤمنة، وكان الناس يوبّخونه قائلين: لولا أنك ارتكبت معصيةً كبرى لما ابتلاك الله بكل هذه البلايا! فانزعج النبي أيوب عليه السلام ورفع يديه بالدعاء، فمنّ الله عليه بالجزاء الحسن على صبره بعد كل هذه المصاعب، وجعله من العباد المقرّبين إلى الله في جميع الأحوال.[12]

     



    [1]. الرعد/21.

    [2].فاطر/28.

    [3]. النازعات/40.

    [4]. الاصبهانی، ابونعیم أحمد بن عبدالله، حلية الأولياء، ج2، ص386، بیروت، دارالكتاب العربی، الطبعة الثانية، 1387ق.

    [5]. النحل/42 ؛ العنكبوت/59.

    [6]. فصلت/30.

    [7]. شعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، ص185، نجف، مطبعة حيدرية، چ اول، بى تا.

    [8]. الزخرف/30.

    [9]. ص/41.

    [10]. ص/44.

    [11]. ر.ک : مجلسى، محمد باقر، بحار الأنوار، ج12، ص353 ـ 367، بیروت، دار إحياء التراث العربي، چ دوم، 1403ق.

    [12].«وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمين* ‏فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى‏ لِلْعابِدينَ». (الأنبیاء/83ـ84).

     



    تعليق



    عرض غير العامة