facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 184349
    تاريخ نشره : 11/25/2016 1:31:00 PM

    أوصاف أولي الألباب في القرآن الكريم (3)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني


    25.11.2016



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    عند مطالعة الآيات القرآنية نجد أن المؤمنين الحقيقيّين هم الذين آمنوا بالمبدأ والمعاد وآمنوا بالأنبياء كهداة للطريق إلى الله، وآمنوا بالوحي الإلهي الذي نزل على رسول الإسلام صلى الله عليه وآله. إن إيمان هؤلاء ليس مجرد إيمانٍ ظاهري، بل إيمانٌ يتجلى في مقام العمل. هذا مفهوم يمكن قرائته في سورة الرعد التي وصفت بعض آياتها أولى الألباب، فذكرت حفظهم للعهود، ومراعاتهم للعلاقات، و خشيتهم لله، وخوفهم من العدل الإلهي، وتحلّيهم بالصبر: «وَ الَّذينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ».[1] لقد أشرنا فيما مضى باختصار إلى هذه الصفة "الصبر"، لكن هناك معنى أوسع للصبر، يشمل الأعمال التي نقوم بها طلباً للتطوّر والكمال.

    أولي الألباب الحقيقيين من الصابرين

    بداية قبل البدء في شرح هذه الصفة من صفات أولي الألباب، لا بدّ من الإشارة إلى أن الصبر لا يعني الإنزواء والإنعزال والركود، بل هو نوع من الحركة والمقاومة والثبات أمام الموانع التي تعترض طريقنا إلى الكمال، ولذلك نجد أن الصبر المطلوب قد يكون الصبر على الطاعات من قبيل الصلاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك للتمكّن من أدائها بالصورة المطلوبة.

    البعض يحاول إلقاء الشبهات أمام المؤمنين فيقول لهم إن الله لا يحتاج إلى صلاة عباده ولا صيامهم، ويكفي أن يكون لديك قلب طاهر لتتعلّق بالله! أحياناً يأتي الشيطان بمبرّرات غير منطقية ليقنع المؤمنين بترك الواجبات. يجب على المؤمن العاقل أن يقاوم هذه الشبهات والوساوس ويؤدي تكليفه الشرعي، وإذا عرضت له معصية، و وسوس له البعض ليرتكبها، يجب أن يقاوم و يصمد. «إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ»(یوسف/90). وهكذا بالنسبة للمصيبة، عندما تحلّ بالإنسان المؤمن، يجب أن يصبر عليها فلا يصيبه الضعف فيصير إيمانه عرضةً للهجوم.

    مقام الصبر، فضله و أنواعه بحسب الروايات

    نستنتج من ما مرّ أن الصبر من الأمور الواجبة عقلاً و شرعاً، وفي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:«الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ: صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَ صَبْرٌ عَلَى  الطَّاعَةِ وَ صَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَة».[2] ثم يقول الرسول صلى الله عليه وآله بعد ذلك: «فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَ مَنْ‏ صَبَرَ عَلَى‏ الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ‏ إِلَى الْعَرْشِ وَ مَنْ صَبَرَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ».[3]

    وفي رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام في تبيين مدى أهمية الصبر قال: «فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ وَ لَا خَيْرَ فِي‏ جَسَدٍ لَا رَأْسَ مَعَهُ وَ لَا خَيْرَ فِي إِيمَانٍ لَا صَبْرَ مَعَه‏».[4] فالصبر صفة نفسانية تؤدي دور الحارس للإنسان في طريقه نحو الكمال.

    الصبر طلباً لرضا الله

    بعد اتّضاح معنى الصبر، لابدّ من التذكير أنّ الدافع يجب أن يكون إلهياً، وأن يكون هدف المقاومة والثبات الحصول على الرضا الإلهي، كما تقول الآية : «وَ الَّذينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ». قد يصبر البعض ليسمع مديح الآخرين "كم هو قوي!" أو خوفاً من أن يقال له "كم هو ضعيف!" أو خوفاً من أن يشمت به أعداؤه! أو خوفاً من التعليقات التي يمكن أن يسمعها في مثل هذه الحالة، لذلك تجده يصبر ويتحمّل دون أن يكون لصبره هذا قيمة حقيقية و إلهية، هذه القيمة التي تحتاج أن يكون العمل طلباً لرضا الله تعالى.

    ملاك الصبر الجيّد ومعاييره

    عندما يصبر الصابرون الحقيقيّون فالسبب معرفتهم أن في المصيبة حكمة من الله، وعندما يصبرون على الواجبات وعن المحرمات فهم يعلمون أن الله جعل هذه الأحكام وفقاً لما تقتضيه المصلحة، وبهذا يكتسب صبر الإنسان قيمة عالية، وهذا هو العنصر الذي يسمح لنا أن نعتبر العبادات من الأعمال التي نتمرّن فيها على الصبر. فعلى سبيل المثال: الصيام يستنفر طاقات الإنسان الصائم الجسدية و العقلية لمواجهة الأهواء، ولأداء هذه الفريضة، ولذا نجد أن الرواية التي تفسّر الآية: «وَ اسْتَعينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ»[5] تطبّق الآية على الصيام فعن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)‏ [فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏] «وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ» قَالَ: الصَّبْرُ هُوَ الصَّوْمُ‏[6].

    جميع العبادات يمكن طبعاً أن تكون تمريناً للصبر باعتباره صفة إنسانية مهمة، ومن الواضح أن الله عز وجل يلطف بعبده المؤمن عندما يخوض ميادين المواجهة، ويعطيه القدرة على محاربة الفحشاء والمنكر، فالله تعالى يقول: «أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ».[7] فالمؤمن إذن يرى أن هذه التمارين وهذه المقاومة تساعده على الإقتراب من الله عز و جل وعلى الشعور بالطمأنينة.



    [1]. الرعد/22.

    [2]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص91، ح15، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [3]. همان.

    [4]. نهج البلاغة، الحکمة/82.

    [5]. البقرة/45.

    [6]. عياشى، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، ج1، ص43، ح40، تهران، مكتبة العلمية الاسلامية، چ اول، 1380ق.

    [7]. العنکبوت/45.



    تعليق



    عرض غير العامة