facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 184514
    تاريخ نشره : 12/9/2016 4:05:00 PM

    أوصاف أولي الألباب الحقيقيين في القرآن الكريم 5

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    09.12.2016




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    أولي الألباب الذين ذكرهم القرآن الكريم هم أناس أصحاب برنامج لأنفسهم ولغيرهم، يجهدون في تقوية علاقاتهم السليمة بالآخرين. وقد سبق منّا الكلام حول أوصافهم في سورة الرعد، و سنتابع هنا ما ورد منها لاحقاً، حيث ذكر الله تعالى لنا صفة سابعة من صفاتهم ألا وهي الإنفاق والعطاء: «وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار».[1]

    الإنفاق صورته وأنواعه

    يعتبر أولو الألباب أن إنفاق ما يملكون من مال، بل إنفاق أي شيء آتاهم الله إياه من أهم الأعمال في برنامجهم، ولذلك يسعون لحلّ مشكلات عباد الله، إحساساً منهم بالمسؤولية تجاه من يعاني من ضائقة مالية أو مشكلة فكرية، فقوله تعالى "مما رزقناهم" يشمل كل ما يملكه الإنسان من مال وقوة و علم و بيان و جاه و مكانة إجتماعية... هذه جميعاً نعم من الله تعالى، وهم ينفقونها لينال الجميع قسطهم من هذه النعم. وقد ورد في الآية أيضاً تعبير "سراً و علانية" الذي يشير إلى صورتين من الإنفاق، ففي بعض الحالات يجب مراعاة حال المحتاج و حفظ ماء وجهه، وهنا لا بد من السريّة في الإنفاق، وأحياناً ينبغي أن يكون الإنفاق علنياً كي يتشجّع أصحاب الأموال على بذل جزء من ما آتاهم الله على الفقراء والمحتاجين، فإذن صورة الإنفاق تُحدّد بعد دراسة الوضع، والهدف من ذلك حل مشكلة الفقر، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن لدينا بالطبع نوعان من الإنفاق «الواجب»[2] و «المستحب»[3]

    الإنفاق الصالح ونتائجه

    لا شك أن أعظم بركات الإنفاق هو التكامل الروحي والفكري الذي يناله المُنفق، ولكن شرط ذلك أن يكون الإنفاق طلباً لرضا الله عز وجل، وأن لا يصاحبه منّ أو أذى لمن يُنفق عليه، وإلا سيضيع الثواب، فقد قال الله عز و جل في كتابه: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى»[4] و يجب كذلك أن يكون الإنفاق خالياً من الرياء، كما جاء في تكملة الآية "كَالَّذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى‏

     

     

    شَيْ‏ءٍ مِمَّا كَسَبُوا (يزول عملهم كما لو أن هناك طبقة رقيقة من التراب على صخرة ووضعوا في هذا التراب بذوراً، فجاء مطرٌ و غسل هذه الصخرة وأزال التراب والبذور)».[5] والله عز و جل يذكر لنا سبب عدم قبول الإنفاق حيث يقول: «قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقين»[6] فالإنفاق لا بدّ أن يكون في سبيل الله كما قال تعالى: «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُورا».[7]

    من البركات أيضاً أن من ينفق بنية تحصيل رضا الله تعالى، فسيعوّضه الله عن ذلك حيث قال عز و جل: «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقين».[8] وفي آية أخرى: «و ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُون‏».[9] هذا ديدن أولي الألباب ليل نهار، ينفقون من ما رزقهم الله «الَّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُون»[10] وهذه هي صفات المتقين «وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُون».[11]

    من المهم جداً التدقيق في عبارة "سراً وعلانية" حين نتحدث عن الإنفاق، فهذه العبارة تخبرنا أن الإسلام لا يطلب العمل كيفما كان، بل يريد أن يكون العمل بصورة معينة حاملاً لبعض المواصفات، لذلك جاء في القرآن أن الله يريد أن يمتحن البشر ليرى من هو «أَحْسَنُ عَمَلاً»[12] لا الأكثر عملا.

    فإذن على المنفق أن يحفظ كرامة المحتاج بالكامل، وأن يعرف «إِنَ‏ الْمِسْكِينَ‏ رَسُولُ‏ اللَّهِ‏‏».[13] فإذا لم يساعده فقد فرصة مهمة لنيل الثواب، لأن الفقير ستُحلّ مشكلته على كل حال، و سيوصل الله إليه رزقه عبر طريق آخر، بينما يحرم صاحب المال نفسه من هذه الرحمة الإلهية؛ فلا بدّ إذن من اغتنام الفرص وحلّ مشاكل الفقراء والمحتاجين لننال أجر ذلك.

     الخاتمة

    أولو الألباب الذين ينفقون في سبيل الله لا يتعبون ولا يملّون من الإنفاق، بل كلما تكرر منهم الفعل شعروا بالسرور والروحانية، لأنهم يحبون أن يحل الله مشاكل الآخرين على أيديهم، ويعتبرون ذلك توفيقاً خاصاً لهم، لذا تراهم يسعون إلى أداء العمل بأكمل صورة، لينالوا رضا الله عز و جل.

     



    [1]. الرعد/22.

    [2]. كالزكاة والخمس «وَ أَقيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ‏؛ و نماز را بپا داريد، و زكات را بپردازيد» (البقرة/43)، «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكينِ وَ ابْنِ السَّبيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّه»(الأنفال/41).

    [3]. كبذل مقدار من المال الذي يشعر الإنسان بالتعلق به لمن يحتاجه. «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَليم»(آل عمران/92).

    [4]. البقرة/264.

    [5]. همان.

    [6]. التوبة/53.

    [7]. الإنسان/9.

    [8]. سبأ/39.

    [9]. البقرة/272.

    [10]. البقرة/274.

    [11]. البقرة/3.

    [12]. هود/7، الکهف/7 و30، الملک/2.

    [13]. نهج البلاغة، الحکمة/304.


    تعليق



    عرض غير العامة