facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 184727
    تاريخ نشره : 12/23/2016 3:21:00 PM

    صفات أولي الألباب في القرآن 6

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    23.12.2016



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    لقد أنزل الله تعالى في كتابه الكريم آياتٍ تصف لنا أولي الألباب في فكرهم وعقيدتهم و أخلاقهم وعملهم، وهذا يعني أن الذين يعتبرون القرآن كتاب حياة، عليهم أن يدققوا في هذه الصفات ليعرفوا الرؤية القرآنية حولها.

    زوال السيئة بالحسنة

    في سياق الصفات التي استعرضناها في آيات من سورة الرعد المباركة، وصلنا إلى الصفة الثامنة التي يتحلى بها أولو الألباب، حيث قال تعالى: «وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار».[1] تقول لنا هذه الآية إن الأعمال الصالحة التي يقوم بها هؤلاء، تمحو الأعمال السيئة التي قد يكونوا ارتكبوها عن غفلة.

    من المعاني المستقاة من هذه الآية أيضاً، أن الإنسان العاقل عندما يرتكب خطأً ما، لا يكتفي بالشعور بالندم، بل يحاول إصلاح ما فسد من خلال القيام بأعمال صالحة.

    ومن المعاني أيضاً، أن أولي الألباب، يبادلون من يسيء إليهم بعمل حسن، لكي يعتبر هذا المسيء، بحيث يعيد النظر في أفعاله كما قال الله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميم».[2]

    طبعاً من الممكن أن يكون كلا المعنيين مقصوداً للآية، لورود روايات عن الرسول وأهل بيته صلوات الله عليهم، تفيد هذين المعنيين، ففي حديثٍ رواه معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «‏إذا عَمِلتَ سَيِّئةً فاعمل بِجَنبِها حَسَنَةً تَمحُها».[3] وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «عَاتِبْ‏ أَخَاكَ‏ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ ارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْه».[4]

    سيرة أولى الألباب بعد ارتكاب الأخطاء

    من الواضحات عند أولي الألباب المؤمنين العقلاء أن الذنوب سمٌ قاتل، ومتى ما ابتلوا بذنب، هم أم غيرهم، يجب المبادرة إلى تربية النفس، والسعي بأي طريقة للحؤول دون تكرار السيئة والتجرؤ على المعصية، لذلك يبادرون إلى التوبة سريعاً، لأن الذنوب تترك آثاراً سلبية على قلب الإنسان، وتكدّره، وتفتح طريق الخلاف مع الآخرين، وتلوّث النفس والآخرين، وإذا ما استمرّت المعصية فإن القلب يزداد اسوداداً، ويمكن أن تنسدّ طريق الإصلاح، ويصبح من الصعب الرجوع إلى جادة الصواب، كما ذكر الإمام الباقر عليه السلام حيث قال:

     «مَا مِنْ‏ عَبْدٍ إِلَّا وَ فِي‏ قَلْبِهِ‏ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوَادُ وَ إِنْ تَمَادَى فِي الذُّنُوبِ‏ زَادَ ذَلِكَ السَّوَادُ حَتَّى يُغَطِّيَ الْبَيَاضَ فَإِذَا غَطَّى الْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ـ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [5].[6]

    شرط قبول التوبة والرجوع عن المعاصي

    سبق أن أشرنا أن مجرّد الندم على الذنب لا يكفي لقبول التوبة، بل لا بد من القيام بمحاولة صادقة لإصلاح ما أفسده العمل السيء، وأن لا يصرّ المذنب على إعادة ارتكاب ذنبه، كما قالت الآية الكريم: «وَ الَّذينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ * أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلينَ».[7]

    وهكذا يتضح لدينا من خلال ما ورد في هذه الآيات الكريمة أن من يمتلك هذه الصفات الثمان، فهو حتماً من أولي الألباب، وسينال العاقبة التي ذكرتها هذه الآية: «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار».[8]

    عاقبة أولي الألباب جنة مميزة

    لقد وردت مفردتا "جنات و جنة" في القرآن الكريم 127 مرة، منها 11 مورداً جاء فيها "جنات عدن"، وهي بحسب رواية جاءت في كتاب "الدر المنثور" جنة خاصة مميزة، ينالها أولي الألباب لصفاتهم الخاصة.[9]

    صفات أولي الألباب في سائر الآيات

    لقد جاء ذكر أولي الألباب في آيات أخرى من القرآن الكريم سوى سورة الرعد، كما في قوله تعالى: «لَقَدْ كانَ في‏ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ».[10]

    تشير هذه الآية الكريمة إلى صفة أخرى من صفات أولي الألباب، وهي أنهم من أهل العبر وقبول النصيحة، و من الأشخاص الذين يحللون القصص القرآني ويأخذون العبرة منها. و جاء في آية أخرى أيضاً أن أولي الألباب أهل تهجّد وعبادة، حيث قال تعالى:

        «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْباب».[11] وفي آية أخرى: «الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار».[12]

    كذلك من صفات أولى الألباب أنهم أصحاب نظرة مستقبلية، و لديهم برامج دقيقة لحياتهم، لذلك يقول الله عز وجل مخاطباً إياهم: «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْباب‏».[13] فهم يحفظون حدود الله، ويعدّون بذلك لأنفسهم زاد الآخرة.

    الخاتمة

    يُستفاد من ما مرّ معنا من الآيات التي حدثتنا عن أولي الألباب أنهم يعيشون حياتهم وفق معتقداتهم، ويتحملون مسؤوليتهم الفردية والإجتماعية كأصحاب نظرة مستقبلية للأمور، و يعملون على بناء أنفسهم ومجتمعهم، ويحاولون حل مشاكل الآخرين. وهم من الأوفياء بعهودهم، ومن أهل الصلاة والإنفاق والصبر، ويعيشون حياتهم على نهج الرضا الإلهي. يعتبرون بما ورد في التاريخ، ويحاولون تحصيل قوة روحية أعلى في خلواتهم مع ربهم عز وجل، لكي يتمكنوا من الصمود ومواجهة المشاكل.

     


    [1]. الرعد/22.

    [2]. فصلت/34.

    [3]. طبرسى، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج6، ص444، تهران، ناصر خسرو، چ سوم، 1372ش.

    [4]. نهج البلاغة، الحکمة/158.

    [5]. المطففین/14.

    [6]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص273، ح20، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [7]. آل عمران/135 و136.

    [8]. الرعد/23 و 24.

    [9]. ر.ک: سيوطى، عبدالرحمن بن ابى‏بكر، الدر المنثور فى التفسير بالماثور، ج4، ص57، قم، كتابخانه عمومى حضرت آيت الله العظمى مرعشى نجفى، چ اول، 1404ق.

    [10]. یوسف/111.

    [11]. الزمر/9.

    [12]. آل عمران/191.

    [13]. البقرة/197.



    تعليق



    عرض غير العامة