facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 185297
    تاريخ نشره : 1/28/2017 11:43:00 AM

    الحياة الدينية 3

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    20.01.2017




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.
    من المسائل المهمة التي قد تشغلُ بالَ الإنسان، التفكيرُ في معنى الحياة، فهل تقتصرُ الحياةُ على الماديّات والأمور الحسيّة؟ هل يكفي أن يكونَ للإنسان ممتلكاتٌ، و ينالَ الملذّاتِ ويعيشَ الرفاهيةَ التامّةَ لنعتبرَ أنه يعيشُ حياتَه وينعم ُبالطمأنينة؟ أم أن حياةَ الإنسان ترتبطُ بأمورٍ أخرى من قبيل مخزونه الفطري وقابلياتِه ذاتِ البعد غير المادي؟ لا بدّ من الإجابة بدقة عن هذا السؤال.

    مكانة الإنسان في عالم الوجود

    من الواضح أن الإجابة عن هذا الموضوعِ تتطلبُ الرجوعُ إلى الرؤية الدينية، و ذلك من أجل معرفةِ العناصرِ المهمة المساهمة في تحديد ماهية الإنسان وحقيقته. لقد خلق اللهُ عز و جل الإنسانَ وكرّمه وأعطاه قابليةَ العلمِ والمعرفة، وأوكِلَ إليه مهمةُ خلافته، وهذا لا يمكن أن يكون من أجل أهدافٍ ماديةٍ كالسلطة والثروة فقط. إذا أراد الإنسانُ أن يعيشَ الحياةَ الحقيقية َفعليه أن يسلك طريقاً تتلاءمُ مع خصائص وجوده، وهذا يعني أن هناك حاجةً إلى برنامج وقانون مناسب، يساعدُ على بلوغ الكمال المطلوب، كما يحتاج إلى تفسيرِ الإنسانِ والعالم تفسيراً روحياً ومعنوياً، وهذا التفسيرُ يشكّل أولى المراحل، وبعده يأتي تقديمُ برنامجَ للحياة، بما يتناسبُ مع هذه النظرة الروحية المعنوية. هنا يظهر الدورُ الضروري للدين، لأنّه يتحمّل هذه المسؤوليةَ العظمى، ألا وهي تقديمُ تفسير مستند إلى النظام الحكيم.

    الهدف الإلهي من خلق العالم

    لقد صرّح لنا القرآنُ الكريم أن العالم خُلق على أساس الحق «وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَق‏».[1] فليس هناك إذن أي مخلوقٍ عبثي، وليس هناك أي مجالٍ للعب في نظام الكون، ولكل شيء مكانته في العالم على أساس الحكمةِ والمصلحةِ، بما يشمل الإنسانَ صاحبَ المنزلة الرفيعة والمميزة، فهو أيضاً حاضرٌ ضمن نظامِ هذا الكون الذي لم يخلق عبثاً، وهو ما أخبرنا الله عز و جل به في كتابه الكريم حيث قال: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُون».[2]

    لقد وُجد هذا الخلقُ على أساس النظام التوحيدي، والحقُ تعالى هو أصلُ وجود كل شيء، وكلُّ شيء يسبّح اللهَ ويعبدُه تكويناً. «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ».[3] وفي آية أخرى: «ِانْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً».[4] ولذا كان شعار التوحيد في القرآن أن النظام، نظامُ «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُون».[5] وفي آية أخرى: «إِنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الرُّجْعى».[6] و قال عز و جل: «هُوَ يُحْيي‏ وَ يُميتُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُون‏»،[7] و «(ألم يأتهم ما في كتب الأنبياء السابقين) أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏».[8]

    الخاتمة

    عندما يعيش الإنسانُ في نظام منطقي من هذا النوع، سيتحركُ بالإتجاه الصحيح و ستكون حركتُه عن بيّنة، وبهذا يتّضحُ دورُ الدين في إيجادِ تحوّلٍ روحي و معنوي، حيث سيتحرّكُ الإنسانُ باتجاه الكمالِ ويأخذ مكانَه المناسبَ. من الضروري إذن أن يتوصّلَ الإنسانُ إلى نظرةٍ صحيحةٍ وجامعةٍ و دقيقة حول عالم الوجود ومعرفةِ الإنسانِ، هذه النظرةُ التي ستؤثرُ في كل مراحل حياة الإنسان، وستحدد وجهةَ هذه الحياة. عندما تكونُ النظرةُ إلى الدين صحيحةً، وتكون توقعاتُ البشرِ من الدين في محلها، ستخضعُ الكثيرُ من المسائل الإنسانيةِ للتحليلِ والتقييم الصحيحين.

    أما إذا أردنا تفسيرَ كل شيء على نهجِ العلمِ الحديث، فالكثيرُ من الأسئلةِ سيبقى دون إجابة، لأن العلمَ يستخدمُ أدوات محدودة لا يمكنها الإجابةَ عن كل المسائل التي تواجهُ الإنسانَ. هذا العلمُ يُستخدمُ لمعرفةِ جزءٍ من الوجود، ويعتمدُ على التجربة والإختبارات و ... ولهذا لا يمكنه الإجابة عن الأسئلة الفلسفية والمفاهيم الكلية.

    لا بد إذن من الإستعانة بالعلوم الأخرى ـ لا سيما العلمِ الديني ـ للإجابة على الأسئلة المتعلقة بمعرفة الإنسان، أسئلة من قبيل من أين أتيتُ؟ ولماذا أتيت؟ و إلى أين سأذهب؟ وهذه أسئلة مهمة شغلت بال البشر منذ فجر التاريخ. وستشمل الرحمة الإلهية أولئك الذين يبحثون عن إجابات لهذه الأسئلة، ففي رواية عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: «رَحِمَ اللَّهُ امرَأً عَرَفَ مِن أينَ وفي أينَ وإلى‏ أين‏».[9] وقد تحدث مولوي في شعره الجميل جداً (بالفارسية)عن هذا الموضوع فقال ما

     

    ترجمَتُه:

     

     

    أفكر ليل نهار، لم غفلت عن حال قلبي؟

    من أين أتيت، ولماذا؟ إلى أين سأذهب؟

    هل ستخبرني عن وطني؟

    لقد تحيّرت كثيراً ولم أعرف ما سبب صنعنا؟

    ماذا أراد من صنعنا؟

    مبارك ذلك اليوم الذي أحلق فيه نحو الحبيب

    أصفق بأجنحتي آملاً الحلول بفِنائه

    من هي الأذن الصاغية التي تسمع ندائي؟

    من الذي أجرى الكلام على لساني؟

    أنا لم آتِ بنفسي إلى هنا لكي أرحل بنفسي

    الذي جاء بي إلى هنا سيرجعني إلى بلدي

    أنا طائر حديقة الملكوت، لست من عالم التراب

    لقد صنعوا لي من جسدي قفساً يحبسني بضعة أيام

    والحمد لله رب العالمين



    [1]. الحجر/85.

    [2]. المؤمنون/115.

    [3]. الإسراء/44.

    [4]. مریم/93.

    [5]. البقرة/156.

    [6]. العلق/8.

    [7]. یونس/56.

    [8]. النجم/42.

    [9]. صدرالدين شيرازى، محمد بن ابراهيم، الحكمة المتعالية فى الأسفار العقلية الأربعة، ج8، ص355، بیروت، دار احياء التراث العربي، چ سوم، بی تا. (البته این حدیث در منابع حدیثی شیعه نیامده است. ر.ک:  محمدى رى‏شهرى، محمد، موسوعة العقائد الإسلامية، ج2، ص301، ح2451، قم، موسسه علمى فرهنگى دار الحديث، چ سوم، 1429ق).


    تعليق



    عرض غير العامة