facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 185593
    تاريخ نشره : 2/10/2017 10:37:00 AM

    الحياة الدينية 5

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
     

    03.02.2017




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    عندما يبحث الإنسان عن فلسفة للحياة، يحتاج إلى مراجعة ما توفر لديه من قدرات، وهذا يستدعي التنبّه لبعده الروحي، فلا يقتصر على الإهتمام بالجانب المادي ومسيرة نموّه (الحياة النباتية)، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بتعبير"نفخة الروح" في قوله تعالى: «وَ نَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي».[1]

    هذه الميزة التي أُعطيت للإنسان جعلته ذا مكانة خاصة بين مخلوقات الأرض، وقد جاء في القرآن الكريم «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في‏ أَحْسَنِ تَقْويِم‏».[2] عندما خلق الله تعالى الإنسان قدّم له وجوداً جامعاً ظهر فيه جماله و جلاله، وقد كرّمه وعظّمه حتى نال احترام جميع المخلوقات بما فيهم الملائكة المقربين. فإذن حصر الإنسان في بعده الحيواني أمرٌ خاطئ، لأنه أفضل مخلوق في العالم، وبإمكانه بلوغ أعلى المراتب إذا ما أطاع القانون الإلهي.

    حتى لو حصل الإنسان على أفضل حياة دنيوية و نال أجمل الملذات المادية، فهو بحسب الرؤية الدينية لم يخطُ خطوة واحدة باتجاه الإنسانية. لا بد من السعي الحثيث لسلوك الطريق الصحيح عبر تفعيل العقل الروحي، الذي يوصل الإنسان إلى الطمأنينة والأمن و الحكمة والمعرفة ويدله على المصلحة، وبهذا سيتمكن العقل من التغلب على المشاكل. من أراد سلامة الروح فليستجب لنداء حاجاته الروحية والمعنوية والفطرية ويسلك طريق التقرّب إلى الله وفق القوانين الإلهية.

    العامل الأهم في ضعف الإيمان الديني والنتائج السلبية لذلك

    أهم مسألة في الإلتزام الديني هي الإيمان الحقيقي بالدين وتعاليمه دون إفساح مجال للتشكيك بالمعتقدات، وإلا سيؤدي هذا إلى ضعف الدين.  هذا واحد من أهم عوامل البعد عن حقائق الدين والحرمان من التنعّم ببركاته في الحياة. هناك للأسف الكثير ممن يعتبر الدين شيئاً هامشيا ولا يعدو كونه لقلقة لسان. طبعاً لا يمكننا تجاهل دور وسائل الإعلام التي غالباً ما تشكك بالتأثير العملي للدين وتسخّف دوره.

    هناك أيضاً الذين يركزون على القشور ويغلّبون النظرة السطحية إلى الدين ويتركون اللب والباطن والحقيقة، هذه السطحية الناتجة عن الجهل ببركات التدين والإيمان.

     المشكلة ناشئة في الأساس من نوع تديّن هؤلاء، إذ أن تعاطيهم مع الدين ليس سليما. عندما يفصل أحدهم بين العبادات وآدابها وأسرارها وأحكامها، لن يرى نتائج ذلك على الصعيد العملي، وبالتالي سيستنتج أن الدين لا يساعد على حل مشاكل البشر ومصائبهم في عالمنا المعاصر، وبالتالي يجب الإبتعاد عنه.

    هذا هو السبب الذي يحدو البعض للقول: "إن قلوبنا طاهرة، ألا يكفي هذا؟" يستدلون بهذا الكلام على أن لا حاجة بالمسلم لاتباع الشريعة وأداء تكاليفه من قبيل الصلاة والصوم.

    بناء على ما مرّ يتضح أن النظرة السطيحة إلى الدين وضعف الإيمان و حمل مفاهيم الخاطئة تُعدّ من الأسباب الرئيسية في ابتعادنا عن الدين يوماً بعد يوم و إذا أردنا الحصول على البركات الفردية والإجتماعية للدين فلا بد من العمل بتعاليمه الأصيلة والإلتزام بها، وهذه هي الحكمة، وبهذا يحصل الإنسان على المعرفة و ينال العزة.

    النتائج السلبية لاستغلال الدين و استخدامه كأداة

    عندما يحوّل الشخص الدين إلى أداة لمضاعفة سلطته وثروته، سيعود بالضرر على نفسه والمجتمع، فهذا الدين إنما جعله الله هداية للبشر ووقاية لهم من الحيرة. إن الذين يستغلون الدين للوصول إلى مآربهم الدنيوية سوف يعرّضون أنفسهم للكثير من المشاكل، وقد ورد في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تَمهَرِ الدُّنيا دينَكَ، فَإِنَّ مَن مَهَرَ الدُّنيا دينَهُ، زُفَّت إلَيهِ بِالشَّقاءِ وَالعَناءِ وَالمِحنَةِ وَالبَلاء».[3]

    هؤلاء الذين يحافظون على دنياهم بدينهم، و يفدون دنياهم بدينهم، إنما يقتربون بذلك التعاسة، ولن يروا السعادة في حياتهم، وهذا ما يقوله أمير المؤمنين عليه السلام: «مِنَ الشَّقَاءِ أَنْ يَصُونَ الْمَرْءُ دُنْيَاهُ بِدِينِه».[4] وقال عليه السلام: «مَنْ اتَّخَذَ دَيْنَ اللَّهِ لَهْواً وَ لَعِباً أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ مُخَلَّداً فِيهَا».[5] هناك شواهد تاريخية لمن أراد البحث والتدقيق، تثبت لنا أن الذين استخفوا بالدين واستخدموه كآلة لبلوغ مآربهم كان مصيرهم الذل، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «مَنْ تَهَاوَنَ بِالدِّينِ هَانَ وَ مَنْ غَالَبَهُ الْحَقَّ لَانَ‏».[6]

    الخاتمة:  الخلاصة هي أن قبول الدين يكون بتقبّل ظاهره و باطنه، جزئه و كلّه، والإيمان بحقيقته. كما أنّه لا إيمان دون عمل و تعمّق. هذا واضح عند المتدين الذي يعرف أن من يلجأ إلى الدين سينال العزة والحكمة. كما لا بدّ من الحذر من المتاجرة بالدين لأجل دنيا الغير ففي هذا أقصى مراتب الشقاء كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام: « َلمّا قيلَ لَهُ: أيُّ الخَلقِ أشقى‏؟-: مَن باعَ دينَهُ بِدُنيا غَيرِهِ».[7]



    [1]. الحجر/29، ص/72.

    [2]. التین/4.

    [3]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم و درر الكلم، ص754، ح183، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410ق.

    [4]. همان، ص677، ح99.

    [5]. همان، ص656، ح1375.

    [6]. همان، ص655، ح1364.

    [7]. ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص383، ح5833، قم، دفتر انتشارات اسلامى، چ دوم، 1413ق.


    تعليق



    عرض غير العامة