facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 185879
    تاريخ نشره : 2/23/2017 9:41:00 AM

    الحياة الدينية 6

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
     

    17.02.2017




    عندما يبحث الإنسان عن حياة حقيقية تناسب متطلباته، سيجد أنه بحاجة ماسة للجوء إلى الدين. لماذا؟ لأنه الطريق الوحيد لتلبية متطلباته الحقيقية. طبعاً الحياة الإنسانية الحقيقية المقصودة ليست حياته الحيوانية والنباتية، بل أبعاده الروحية. إذن لا بد من الإجابة على السؤال التالي: ما هي النواحي التي يحتاج الإنسان الدين فيها؟

    لماذا يستحيل على الإنسان أن يعيش حياته الحقيقية بكل أبعاد وجوده إذا فقد الدين؟ لا بد من البحث حول مسألة حاجة الإنسان إلى الدين كحاجة حقيقية فطرية؛ لأن الدراسات المعنونة بـ "توقعات البشر من الدين" يحوطها شيء من الإبهام. والسبب أن هذا العنوان يعطي المحورية في الوجود للإنسان بدلاً من الله، و هو عنوان جرى تداوله بعد عصر النهضة و ظهور المذهب الإنساني في الفكر.

    لقد أقصت هذه النظرة أهم مفاهيم الدين و منها مفهوم الإله و يبدو أن الذين يطرحون "توقعات البشر من الدين" ليسوا في الواقع بصدد تمييز الحق من الباطل، ولا دراسة حاجة الإنسان الواقعية والفطرية على أساس معيار الحق والباطل، بل ما يريده هؤلاء هو حل مشكلة الإنسان باعتباره محور كل شيء.

    هل يلبي الدين في هذا العصر احتياجات الإنسان؟أم أن أسلوب الحياة في هذا العصر يدار بطريقة تؤمّن جميع المتطلبات دون اللجوء إلى الدين؟ على سبيل المثال إذا كان بالإمكان العيش دون الإيمان بالمعاد والآخرة فلمَ نشغل بال الناس بهذا النوع من المواضيع؟

    وهكذا بالنسبة لسائر المسائل الأخلاقية أو العملية... هذه النظرة إلى الدين أدّت بلا شك إلى إلقاء البعض الدين جانباً ودعوة الآخرين إلى نفس التصرف، و هذه النظرة تعني الإستغناء عن الدين وإنكار دوره سواء على الصعيد الفردي أم الإجتماعي.

    توقعات الدين من الإنسان

    الصحيح، خلافا للعنوان السابق، هو البحث عن توقّعات الدين من الإنسان أو حاجة البشر إلى الدين، لأن هذا العنوان يتيح لنا البحث عن هدف خلق الإنسان وعن المواضيع التي يحتاج فيها الإنسان إلى الدين و تعاليمه لنيل سعادته الأكيدة في الدنيا والآخرة.

     وردت رواية لطيفة وجميلة جدا عن الإمام الصادق عليه السلام في هذا المجال حيث قال: «وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ كُلَّهُ فِي أَرْبَعٍ: أَوَّلُهَا: أَنْ‏ تَعْرِفَ‏ رَبَّكَ، وَ الثَّانِي: أَنْ‏ تَعْرِفَ‏ مَا صَنَعَ بِكَ، وَ الثَّالِثُ: أَنْ‏ تَعْرِفَ‏ مَا أَرَادَ مِنْكَ‏، وَ الرَّابِعُ: أَنْ‏ تَعْرِفَ‏ مَا يُخْرِجُكَ مِنْ‏ دِينِكَ».[1]

    لماذا يحتاج البشر إلى الدين؟

    لا بد من التمعّن جيدا قبل الإجابة عن هذا السؤال. هناك ميول عند الإنسان يتفق الدين مع علم النفس على وجودها، كالرغبة بالعبادة أو اتخاذ دين، أو الرغبة بالفضيلة أو الإبداع أو الفضول و حب المعرفة واكتشاف العلل والأسباب.

    ويمتلك الإنسان أربعة أبعاد روحية، أو حاجات غريزية فطرية. البعد الأول العلم والمعرفة. يريد الإنسان أن يعرف ماذا حدث وماذا سيحدث، حتى الطفل الذي يسمع صوتا يريد معرفة مصدره، والإنسان في حالة نمو و تطور لم يتوقف في أي مرحلة من المراحل.

    البعد الثاني الفضائل والأخلاق، فقد ثبت في استطلاع ميداني أن البشر حتى المجرمين منهم وسيئي الخلق يحبون الفضيلة. الأولاد يحبون الصدق ولا يرغبون بالكذب. الصدق جزء مقدس من ذوات البشر، ولكن قد ينحرف البعض شيئاً فشيئاً و يبتلي بالكذب. على كل حال لسنا بصدد التعمق في هذه المسألة ولكن هذا أحد أبعاد شخصية الإنسان.

    البعد الثالث حب الجمال. كل البشر يحبون الجمال، وعندما يرون خطاً جميلاً أو بناءً جميلا يستمتعون بذلك.

    أما البعد الرابع فهو النزعة الدينية والعبادية، وهو نفس النزعة إلى الأمور الغيبية و غير المادية وعالم ما وراء الطبيعة، وهذا موجود عند جميع البشر، وإن استتر ذلك عند البعض تحت غبار العوامل، حيث يمكن في لحظة ما أن يعيش الإنسان حالات باطنية ترجعه إلى هذا الشعور، وهذا ما يشير القرآن إليه حيث يقول: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتي‏ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّه».[2] الإيمان بالدين وتعاليمه يمكن أن يجيب عن الكثير من التساؤلات التي يطرحها البشر: من أين أتينا؟ ولماذا؟ إلى أين سنذهب؟ هل هذه الدنيا منتهى حياة البشر؟ أم أن هناك عالم آخر ينتظرنا؟

    الخاتمة

    لا بد من الإشارة إلى أن الدين أمر فطري بمعنى وجود هذه النزعة في نفوس جميع البشر، وهذا ما لا يمكن اقتلاعه منهم، وهو موجود مهما تكن البيئة التي يعيش فيها الإنسان، بينما بخلاف الأمور المادية، التي توجد لسبب وليست من الذات، ويمكن أن تختلف من بيئة إلى أخرى، وقد يقضى عليها في مرحلة ما.

     



    [1]. كلينى، محمد بن يعقوب بن اسحاق، الكافي، ج1، ص49، ح11، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [2]. الروم/30.


    تعليق



    عرض غير العامة