facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 186248
    تاريخ نشره : 3/17/2017 1:10:00 PM

    الحياة الدينية 7

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    17.03.2017




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    إذا أردنا أن نعيش الحياة الحقيقية لا بد لنا من الإلتزام بالدين. هذا أمرٌ صحيح، ولكن هذا لا يعني عدم وجود مخالفين للفكرة. هناك الكثيرين ممن يعتبرون أن الإنسان يمكن أن يعيش حياة ممتازة دون الحاجة إلى الدين في أي مجال من مجالات الحياة. لكن لو قاربْنا  الموضوع بدقة، ودرسناه على أساس المنطق والعقل والأدلة دون الوقوع في فخ التعصب، سنكتشف أن الدين ضرورة قصوى ولا سبيل للإستغناء عنه.

    حاجة البشر الضرورية إلى الدين

    إذا أردنا أن نعرف مدى حاجة الناس للدين فهناك عوامل يمكن دراستها و تقصّيها. من هذه العوامل حاجة الحياة إلى قانون صحيح. والقانون الصحيح الجامع لكل البشر يعتمد على شرطين أساسيّين:

    1ـ معرفة واضع القانون بطبيعة البشر و بجميع مطالبهم و حاجاتهم الواقعية.

    2ـ عدم الإنجرار وراء المصالح الفردية، بل السعي لإيصال الإنسان إلى منزلته التي خُلق لأجلها والمكانة التي تليق به حقاً. لقد خُلق هذا الكون على أساس نظام هادف؛ نظامٌ خصّص مقاماً مميّزاً للإنسان بسبب ما يتمتع به من مؤهلات، فهو:

    أـ صاحب العلم الإلهي: «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها».[1]

    ب ـ صاحب مقام خلافة الله «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَليفَةً».[2]

    ج ـ صاحب لكرامة الذاتية «وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَني‏ آدَمَ‏».[3]

    و بناءً عليه يحتاج الإنسان إلى قانون يلبّي كل أبعاد وجدوده ويؤمن له جميع حقوقه.

    لا بد من الإشارة هنا إلى نقطة مهمة و هي أن الإيمان بتعاليم الدين يعطي نتائج بناءة، لا سيما في عصر تعصف فيه الأزمات الفكرية والعقائدية بالحياة الروحية للبشر، فالإيمان بالله واليوم الآخر على سبيل المثال، ينعكس التزاماً أشدَّ بأداء ما أُلقي على عاتق الإنسان من مسؤوليات، سواء تجاه نفسه أم تجاه سائر البشر و ما يعانونه من مشاكل.

     الإيمان بالوصايا الإلهية والثقة بها عامل نمو الإنسان و كماله

    يؤمن الإنسان المتدين أن الله عز و جل وضع فيه كل شيء على أساس الحكمة والمصلحة، ومتى ما عمل وفق التوجيهات الإلهية فستساعده الغرائز على سلوك طريق الكمال. هناك غرائز وضعها الله في البشر لضمان بقائه كي لا يفنى النسل؛ فوضع فيه الغضب كي لا يذهب ضحية الحيوانات المفترسة مثلاً. فالمتديّن يؤمن أن إطاعة الأوامر الإلهية الحكيمة على أكمل وجه سيساعده على تنظيم غرائزه و صون نفسه كي لا يقع في الإفراط أو التفريط.

    من الواضح جداً أن عدم السيطرة على القوى الغريزية عند الإنسان سيجر الويلات على نفسه وعلى المجتمع وهذا ما أثبته التاريخ؛ حيث أن سيطرة الإفراط على هذه القوى، يؤدي إلى تعاظم الأطماع و حب السلطة و يجر الحروب و سفك الدماء، و هو ما يضرب المجتمع في الصميم، ولا يخلّف وراءه سوى الوحشية.

    تأثير الإيمان بالمعاد على التربية الصحيحة للإنسان

    إن التربية الصحيحة للإنسان تعني تَحَلِّيه بالفضائل و ترك الرذائل، وذلك على أساس الإيمان بالمعتقدات الدينية كالإيمان بالمبدأ والمعاد، فهذه المعتقدات تساعد على كبح جموح النفس. قال الله تعالى في كتابه الكريم: «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها».[4]

    العقيدة والإيمان يُعلّمان الإنسان على التحرّر من قيود المعاصي واللجوء إلى الله، كما حدث مع النبي يوسف عليه السلام حين واجه دعوة زليخا إلى المعصية حيث قال: «مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ‏».[5] في مورد آخر من القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى: «كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحيمَ».[6] لو علمتم حقيقة الأمر لرأيتم أن طغيان النفس والغرائز يقود إلى الجحيم، ولو أنكم آمنتم حق الإيمان لكبحتم هذه النفس و لنَجَوتُم. «كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى».[7] « فَأَمَّا مَنْ طَغى‏ * وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحيمَ هِيَ الْمَأْوى‏».[8]

    من يحمل هذه العقيدة سيخاف حكم الله و سيراقب نفسه: «وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى».[9] و سيراقب وضع أهله: «قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْليكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ».[10] هذا عذاب الكافرين كما صرحت آياتٌ من القرآن الكريم: «فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي‏ وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرين».[11]

    تأثير التدين على التربية الروحية للإنسان

    عندما يلتزم الإنسان بالقوانين الإلهية، ويتحرك ضمن الإطار الديني، سيشاهد تأثير التزامه هذا في تربية نفسه وفي سلوكه الأخلاقي، لأن الدين يحارب أمراض الباطن و يقتلع ما ينبت في النفس كالأعشاب الضارة. الدين يعمل على تربية العفة والحكمة والصدق وغيرها من الفضائل، وبالتالي يضع الإنسان على سكة التكامل، وهذا هو الهدف من خلقه. الدين يأخذ بيد الإنسان على طريق الانبياء ليوصله إلى المكان المنشود، إلى التوحيد الذي يصبح معه الهدف من كل عمل يقوم به، نيل رضا الله عز و جل، كما أشارت الآية الكريمة: «قُلْ إِنَّ صَلاتي‏ وَ نُسُكي‏ وَ مَحْيايَ وَ مَماتي‏ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَميِنَ‏».[12]

    ستكتسب الحياة حينها معنىً إلهياً، وستكون نظرة الإنسان إلى كل الأشياء نظرة معنوية وروحية، لا ينظر بعدها إلى الأمور بعين المادية، وهذه نظرة ذات نتائج مهمة على صعيد الحياة الحقيقية، فمن هذه النتائج الطمأنينة والسعادة في الدنيا، التي تمهّد الطريق أمام سعادة الإنسان في الآخرة.

    الحديث عن الحياة الدينية هذا يعني فهم المعتقدات الدينية بوضوح و اتخاذ الخطوات العملية في الحياة على أساسها. عندما يحصل الإنسان على معرفة دينية عميقة يدرك علو منزلته كإنسان، ويكتشف أن بإمكانه أن يعيش على جنة الأرض بناءً على نوع الحياة التي يختارها.



    [1]. البقرة/31.

    [2]. البقرة/30.

    [3]. الإسراء/70.

    [4]. الشمس/7ـ10.

    [5]. یوسف/23.

    [6]. التکاثر/5ـ6.

    [7]. العلق/6ـ7.

    [8]. النازعات/37ـ39.

    [9]. النازعات/40ـ41.

    [10]. التحریم/6.

    [11]. البقرة/24.

    [12]. الانعام/162.


    تعليق



    عرض غير العامة