facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 186417
    تاريخ نشره : 4/1/2017 9:55:00 AM

    الحیاة الدينية 8

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    31.03.2017



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    من المعلوم أن الدينَ عاملٌ مؤثرٌ في الفردِ والمجتمعِ، وكذلك هي المعارفُ الدينيةُ، التي تؤثرُ في مَن يؤمنُ بها حقاً، سواءً على صعيدِ القيمِ أم العملِ. هذا التأثيرُ سيسري بالطبعِ إلى المجتمعِ عندما يظهرُ على الأفراد، والمؤمنُ بوجود الله تختلفُ حياتُه و نظرتُه للأمورِ عن غيرِ المؤمنِ. وبعبارةٍ أخرى تختلفُ الحياةُ المبنيةُ على الإيمانِ عن الحياة المبنيةِ على الإنكار. فالحياةُ الدينيةُ إذن بمعنى من المعاني حياةٌ قائمةٌ على الإيمانِ بحقائقِ الدينِ، ويجدرُ هنا التعرضُ لبعضِ النقاطِ المهمةِ حولَ الإيمانِ والحياةِ الإيمانية[1].

    مفهوم الإيمان و حقيقته

    الإيمانُ مشتقٌ من مادةِ أمن بمعنى الإعتقادُ[2]، المیلُ، التصدیقُ[3]، الإنقيادُ والأمنُ[4]. وقال الراغب الإصفهاني فی شرح مفردة الإيمان: "إذعانُ النفسِ للحقِ على سبيلِ التصديقِ، و ذلك باجتماعِ ثلاثةِ أشياءٍ: تحقيقٌ بالقلب و إقرارٌ باللسان و عملٌ بحسب ذلك بالجوارح".[5] وفي كلماتٍ مضيئةٍ لأميرِ المؤمنين عليه السلام حول بيانِ حقيقةِ الإيمانِ قال: «سَأَلتُ النَّبِيَّ(ص) عَنِ الإِيمانِ‏؟ قالَ: تَصديقٌ بِالقَلبِ وإقرارٌ بِاللِّسانِ‏ وعَمَلٌ بِالأَركانِ».[6] هذا في الواقعِ تعريفٌ للإيمانِ كمصطلحٍ شرعيٍ على أنه تصديقٌ وطمأنينةٌ قلبيةٌ يكونُ العملُ من نتائجِه الواقعيةِ.

    عندما يكونُ الأداءُ العمليُ غيرَ منسجمٍ مع العقيدةِ، فهذا يعني أن الإيمانَ غيرُ واقعيٍّ، ولهذا يقولُ اللهُ عز و جل في آيةٍ كريمةٍ: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ في‏ قُلُوبِهِمُ الْإيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».[7] ولهذا قال الرسول الأكرمُ صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضي الله عنه: «يَا أَبَا ذَر... مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ (تَعَالَى) مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَ تَرْكِ مَا أَمَرَ أَنْ يُتْرَكَ».[8]

     الإيمانُ باللهِ نابعٌ من الفطرةِ والحاجةِ البشريةِ الواقعيةِ لا من الخوفِ والجهلِ وأمثالَ ذلك، وهو يبعثُ على الشعورِ بالهدوءِ والأمانِ كما قال الله في كتابه الكريم: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب‏».[9] ومن یعرض عن ذكرِ الله ستصيرُ حياتُه صعبةً كما تقولُ الآيةُ الكريمةُ «وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكاً‏‏»[10]. بينما الحياةُ الإيمانيةُ حياةٌ ملؤُها النشاطُ والحيويةُ والحافزيةُ والهدوءُ والشوقُ والأملُ بالحياةِ، والإيمانُ درجةٌ أرفعُ من الإسلامِ، وإن كانا مفهومين مشتَركين بحسب الظاهر.

    عن سماعة بن مهران حول هذا الموضوع قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ـ عليه السلام ـ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ وَ الْإِيمَانِ أَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ؟ فَقَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فَقُلْتُ فَصِفْهُمَا لِي فَقَالَ: الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ التَّصْدِيقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وآله ـ بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَ عَلَيْهِ جَرَتِ الْمَنَاكِحُ وَ الْمَوَارِيثُ وَ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَ الْإِيمَانُ الْهُدَى وَ مَا يَثْبُتُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ صِفَةِ الْإِسْلَامِ وَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ وَ الْإِيمَانُ أَرْفَعُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِدَرَجَةٍ إِنَّ الْإِيمَانَ يُشَارِكُ الْإِسْلَامَ فِي الظَّاهِرِ وَ الْإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الْإِيمَانَ فِي الْبَاطِنِ وَ إِنِ اجْتَمَعَا فِي الْقَوْلِ وَ الصِّفَةِ».[11]

    علاقة العلم بالإيمان

    عندما نتحدثُ عن الإيمانِ في الحياةِ الدينيةِ فالمقصودُ هو الإيمانُ الذي يمكنُ تحصيلُه بمعرفةِ الأدلةِ على الحق، وهذا العلمُ يحصلُ تارةً بالتجربةِ و تارةً بالتعقّلِ والإستدلالِ وأخرى عن طريقِ الشهودِ، ويؤكدُ القرآنُ على التفكرِ في آياتِ الآفاقِ والأنفسِ ومطالعةِ أحوالِ الماضين من أجل تقويةِ الإيمانِ، وهذا ينبئُنا عن مدى قوةِ علاقةِ الإيمانِ بالعلمِ: «أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في‏ أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُون‏».[12]

    ترشدُنا الآياتُ والرواياتُ إلى أن العلمَ دون الإيمانِ سيفٌ مُسلَطٌ في يدِ الحياةِ كما أن الإيمانَ دون علمٍ مآلُه التعصبُ والعمى. أما التعاونُ بين الإيمانِ والعلمِ فنتيجتُه تكاملُ الإنسانِ و رقيُّه. فالعقلُ والإيمانُ صديقان قديمان، وهما الجناحان اللذان يحلقُ بهما الإنسانُ ويعرجُ نحو الله تعالى، ولذا جاء في روايةٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «الْعَقْلُ خَلِيلُ الْمُؤْمِن‏».[13] وهذا أحدُ أهمِ أهدافِ إرسالِ الأنبياءِ ألا و هو تفَتُحُ العقلِ و استثمارُ قِواه على أساسِ الإيمانِ: «وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ».[14]


     علاقة العقل بالإيمان

    إن وحدةَ مسارِ العقلِ والإيمانِ من مسلماتِ الدينِ الإسلامي، وهذان الأمران يكمِّلُ بعضهما الآخر. عندما يفقدُ الإيمانُ العقلَ ينحدرُ نحو الخرافاتِ، و عندما يفقد العقلُ الإيمانَ ينحدرُ نحو الماديّةِ. فمصباحُ العقلِ و نورُه يكشِفُ طرقَ الإيمانِ للإنسانِ. العقلُ والفكرُ يساعدان الإنسانَ للحصولِ على الإيمانِ والدينِ والأدبِ، وهذا ما يؤيدُه قولُ الإمامِ علي عليه السلام: «الدِّينُ وَ الْأَدَبُ نَتِيجَةُ الْعَقْل‏».[15] كما قال عليه السلام: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَد كَمُلَ إِيمَانُهُ: الْعَقْلُ، وَ الْحِلْمُ، وَ الْعِلْمُ».[16] يقول الشهيدُ مطهري متحدِثا عن علاقةِ الإيمانِ بالعقلِ: «لا يمكن أن يقول القرآن للإنسان إذا أردت العثور على الإيمان فاترك العقل وراءك، فالقرآن لا يرى هذين الأمرين متعارضين، بل يقول لنا تحرّك على طريق العقل و طريق تهذيب النفس وعندها ستصل إلى النتيجة المرجوة».[17]

    الخاتمة

    على غرارِ التفاعلِ القائمِ بين العلمِ والعقلِ والإيمانِ، هناك علاقةٌ وطيدةٌ بين الإيمانِ والعملِ، بحيث يُعدُّ العملُ من نتائجِه الأكيدةِ، وهذا ما أكّدَ عليه القرآنُ في الكثيرِ من الموارد، من اقترانِ الإيمانِ بالعملِ الصالحِ «إِلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ».[18] في الحقيقةِ عزةُ الإنسانِ وذلتُه منوطةٌ بأعمالِه، وقد جعلَ الإسلامُ الإيمانَ بالعملِ وامتلاكَ النيةِ الصافيةِ معياراً لقبول العمل. «وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً».[19]

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم ارزقنا توفيق الطاعة, وبعد المعصية, وصدق النية, وعرفان الحرمة, وأكرمنا بالهدى والإستقامة, وسدد إلستنا بالصواب والحكمة, واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة وكفّ أيدينا عن الظلم والسرقة، واسدد اسماعنا عن اللغو والغيبة, وتفضل على علمائنا بالزهد ونصيحة, وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة, وعلى المستمعين بالأتباع والموعظة...

     



    [1]. معادل انگلیسی: Faith؛ و معادل آلمانی: Glauben.

    [2].  ازهرى، محمد بن احمد، تهذيب اللغة، ج15، ص369، بيروت، دار إحیاء التراث العربی، چ اول، بی تا.

    [3]. فراهيدى، خليل بن احمد، كتاب العين، ج8، ص389، قم، هجرت، چ دوم، بی تا.

    [4]. ابن اثير جزرى، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج1، ص69، قم، موسسه مطبوعاتي اسماعيليان‏، چ چهارم، 1367ش. و  ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج13، ص21، بيروت، دار صادر، چ سوم، بی تا.

    [5]. راغب اصفهانی، حسین بن محمد، مفردات الفاظ قرآن کریم، ص50، ترجمه حسین خدا پرست، قم، نوید اسلام، چ دوم، 1389ش.

    [6]. طوسى، محمد بن الحسن، الأمالي، ص284، ح551، قم، دار الثقافة، چ اول، 1414ق.

    [7]. المجادله/22.

    ، همان، ص531، ح1162.

    [8]. الرعد/28.[8]. طوسى، محمد بن الحسن، همان، ص531، ح1162.

    [9]. الرعد/28.

    [10]. طه/124.

    [11]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص25، ح1، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [12]. الروم/8.

    [13]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص203، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [14]. نهج البلاغة، الخطبة/1.

    [15]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم و درر الكلم، ص816، ح40، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410ق.

    [16]. همان، ص330، ح1.

    [17]. مطهرى، مرتضى‏، مجموعه آثار( نبرد حق و باطل، فطرت، توحيد)، ج4، ص524، تهران ـ قم، چ هشتم، 1377ش‏.

    [18]. الشعراء/227، ص/24، الانشقاق/25، التين/6، العصر/3.

    [19]. الإسراء/19.


    تعليق



    عرض غير العامة