facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 186665
    تاريخ نشره : 4/14/2017 4:42:00 PM

    الحیاة الدينية 10

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    14.04.2017



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    بعد أن عرفنا دور الإيمان بالله والمفاهيم الدينية الأخرى في بناء الحياة الدينية، وصل بنا الكلام إلى دراسة عوامل ضعف وقوة الحياة الدينية.



    عوامل قوة الحياة الدينية

    من الواضح أن "الإيمان" من أهم شروط تديّن الإنسان. و يُعدّ الإيمان بالله والأنبياء والملائكة والكتب السماوية والمعاد والغيب من الأمور التي يجب على كل مؤمن الإيمان بها، حتى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، الحائز على أعلى درجات الإيمان، كما قال الله في كتابه: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصير».[1]

    يحتاج الإنسان إلى الإيمان في جميع مراحل حياته، وهذا ما يجعله على درجة عالية من الأهمية، يُخبرنا بذلك ما ورد في معارف القرآن الكريم و روايات أهل بيت العصمة عليهم السلام، عن عوامل تقوية الإيمان، و سنيشر إلى قسم منها باختصار:

    الف ـ ذكر الله

    إن أحد العوامل المؤثرة في تقوية الإيمان هي ذكر الله، ويقول القرآن الكريم في هذا المجال: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‏».[2] و جاء في آية أخرى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثيراً».[3] و قال تعالى أيضاً: «وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثيراً».[4]

     

    بركات ذكر الله في الحياة

    1ـ الشعور بالطمأنينة

    الذكر هو التوجه القدسي والمعنوي من النفس إلى الله تعالى وهذا يترتّب عليه بركات مهمة من جملتها "الطمأنينة" «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».[5] لا شك أن المؤمن الذاكر لله يسعى للإبتعاد عن المعاصي. كذلك قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله للإمام علي عليه السلام: «يا عَليُّ: ثَلاثٌ لا تُطيقُها هَذِهِ الأُمَّةُ: المُواساةُ لِلأَخِ في مالِهِ، وَإِنصافُ النَّاسِ مِن نَفسِهِ، وَذِكرُ اللّهِ عَلى كُلِّ حال».[6] ثم يقول: «وَلَكِن إِذا وَرَدَ عَلى ما يَحرُمُ عَلَيهِ خافَ اللّهُ عَزَّوَجَلَّ عِندهُ وَتَرَكَه‏».[7] فالذكر الحقيقي إذن أحد عوامل التقرب إلى الله التي تساعد الإنسان في السيطرة على النفس الجموح العاصية و مراقبتها، وهذا بحسب المعارف القرآنية نتيجة توجه قلب الإنسان إلى الله و ذكره: «وَ اذْكُرْ رَبَّكَ في‏ نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ وَ لا تَكُنْ مِنَ الْغافِلين إِنَّ الَّذينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُون‏».[8]

    ومن النقاط المهمة هاهنا، عندما يصدح ذكر الله في المجتمع المؤمن و يصبح الجميع حذراً يحترمُ مقام هذا الإسم والذكر، سوف تترسّخ الروحانية في المجتمع و تحمي أفراده من المخاطر والآفات الإجتماعية، و بيان بركات ذكر الله في هذا المجال تساعد على فهم عظمته جلّ و علا.

    2ـ البعد عن المعاصي

    عندما يشعر الإنسان بالطمأنينة نتيجة ذكره لله تعالى، سيشعر أن لديه ملجأً قوياً، منه تنبع جميع القوى. عندما يحمل الإنسان هذا الشعور الروحي بالله تعالى، سيرى أن لا شيء ولا أحد يستطيع أن يقف أمام قدرة الله المطلقة. لن تكون حياة من يمتلك هذه القوة الروحية، حياة صعبة و عبثية، بل حياة سعيدة سهلة و خالدة و هادفة. هكذا تُبعد هذه الرؤية حول الله الإنسان عن المعصية، وهذا أحد نتائج الذكر الإلهي: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ».[9] كذلك سيشعّ النور والبصيرة الباطنية في الإنسان، كما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «بِذِكرِ اللّهِ تَحيَا القُلوبُ، و بِنِسيانِهِ مَوتُها».[10] و في كلمات نورانية لأمیرالمؤمنین عليه السلام: «مُداوَمَةُ الذِّكرِ قوتُ الأَرواحِ و مِفتاحُ الصَّلاح‏».[11]

     

     فطوبى للذين يجذبون العناية الإلهية إلى أنفسهم بذكرهم لله، فقد وعد الله بذكر من يذكره «فَاذْكُرُوني‏ أَذْكُرْكُم!».[12]هؤلاء سيُنقّون أنفسهم من كل نفاق كما قال رسول الله صلى الله عليه و آله عن من يديم ذكر الله: «مَن أكثَرَ مِن ذِكرِ اللّهِ فقد بَرِئَ مِنَ النِّفاق».[13] وسيُشرح صدره في النهاية فـ «الذِّكرُ يَشرَحُ الصَّدر».[14]

    ب ـ تلاوة القرآن والأنس به

    بما أن "تلاوة القرآن" أحد عوامل الإيمان، فقد جرى التركيز على هذا الموضوع في القرآن وكلمات المعصومين عليهم السلام، خيث قال الله عز و جل: «إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إيماناً».[15] ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصف المتقين: «تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِم‏‏‏».[16]

    القرآن معجزة إلهية هدفها هداية البشر في كل الأزمنة

    القرآن أساس الحكمة والمعرفة بحقائق الكون، وهو كتاب مليء بالمعارف الأصيلة الهادية للإنسان إلى طريق الكمال. ولا زال القرآن اليوم كذلك معجزة إلهية هدفها تربية البشر و قيادتهم على مسار النمو والتكامل. بل يمكن القول إن إعجازه يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم مع تطور علوم البشر. إن لغة القرآن هي لغة الفطرة والعقل، لذلك يستطيع هذا الكتاب أن يكون حجة و برهاناً في كل عصر، ويضمن هداية البشر ونجاتهم.

    بركات الأنس بالقرآن

    هناك بركات كثيرة جداً تفوق التصور في القرآن، لكن يمكن الإشارة إلى البعض منها لبيان عظمته و منزلته:

    لقاح الإيمان: يقول الإمام علي عليه السلام: «لِقَاحُ الْإِيمَانِ تِلَاوَةُ الْقُرْآن‏».[17]

    2ـ تنظيف القلب من الشوائب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنَّ هذِهِ القُلُوبَ تَصدَأُ كَما يَصدَأُ الحَديدُ؛ قيلَ: فَما جِلاءُها قالَ: ذِكرُ المَوتِ و تِلاوَةُ القُرآن‏‏».[18]

      نوارنية المنازل: يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «نَوِّرُوا بُيُوتَكُمْ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَ لَا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى صَلَّوْا فِي الْكَنَائِسِ وَ الْبِيَعِ وَ عَطَّلُوا بُيُوتَهُمْ فَإِنَّ الْبَيْتَ إِذَا كَثُرَ فِيهِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ كَثُرَ خَيْرُهُ وَ اتَّسَعَ أَهْلُهُ وَ أَضَاءَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِي‏ءُ نُجُومُ السَّمَاءِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا».[19]

    كفارة الذنوب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «يَا سَلْمَانُ عَلَيكَ بِقِراءَةِ القُرآنِ؛ فَإِنَّ قِراءَتَهُ كَفّارَةٌ لِلذُّنوبِ، وسِترَةٌ مِنَ النّارِ، وأمانٌ مِنَ العَذاب‏‏».[20]

    وأهم من ذلك كله، إدراج نور النبوة: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث عجيب: «مَن قَرَأَ القرآنَ فَقدِ استُدرِجَ النُّبوَّةُ مِن جَنبَيهِ، غيرَ أ نّهُ لا يُوحى‏ إلَيه‏».[21]

    من المواضيع المهمة في مجال تلاوة هذا الكتاب المنير مراعاة الآداب الظاهرية والباطنية لتلاوته، وهذا من شروط نيل بركات الأنس به، ولا شك أن الأنس العميق بالقرآن الكريم سيترك تأثيراً عجيباً لناحية تثبيت الإيمان و تقويته.

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم ارزقنا توفيق الطاعة, وبعد المعصية, وصدق النية, وعرفان الحرمة, وأكرمنا بالهدى والإستقامة, وسدد إلستنا بالصواب والحكمة, واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة وكفّ أيدينا عن الظلم والسرقة، واسدد اسماعنا عن اللغو والغيبة, وتفضل على علمائنا بالزهد ونصيحة, وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة, وعلى المستمعين بالأتباع والموعظة...


     



    [1]. البقرة/285.

    [2]. الانفال/2.

    [3]. الاحزاب/41.

    [4]. الشعراء/227.

    [5]. الرعد/28.

    [6]. ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص358، ح5762، قم، دفتر انتشارات اسلامى، چ دوم، 1413ق.

    [7]. همان.

    [8]. الأعراف/205ـ206.

    [9]. العنکبوت/45.

    [10]. ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، تنبيه الخواطر و نزهة النواظر(مجموعه ورام)، ج2، 120، قم، مكتبه فقیه، چ اول، 1410ق.

    [11]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم و درر الكلم، ص709، ح121، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410ق.

    [12]. البقرة/152.

    [13]. الطبرانى، سليمان بن أحمد، المعجم‏ الأوسط، ج7، ص86، ح6931، تحقيق: طارق بن عوض اللّه‏، بی جا، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415ق.

    [14]. تميمى آمدى، همان، ص48، ح885.

    [15]. الانفال/2.

    [16]. نهج البلاغة، الخطبة/192.

    [17]. تميمى آمدى، همان، ص572، ح24.

    [18]. البیهقي، أحمد بن حسین، شعب الإيمان، ص691، تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول، بیروت، دار الكتب العلمية، چ الأولى، 1410ق. و قطب الدين راوندى، سعيد بن هبة الله، الدعوات (سلوة الحزين)، ص237، ح662، قم، انتشارات مدرسه امام مهدى(عج)، چ اول، 1407ق.

    [19]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص610، ح1، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [20]. شعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، ص39، نجف، مطبعة حيدرية، چ اول، بى تا.

    [21]. الحاكم النيسابورى، المستدرك‏ على‏ الصحيحين‏، ج1، ص738، ح20208، تحقيق يوسف عبد الرحمان المرعشلى، بيروت، دار المعرفة. و شيخ حر عاملى، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ج6، ص191، ح7704، قم، مؤسسة آل البيت(ع)، چ اول، 1409ق، نحوه.


    تعليق



    عرض غير العامة