facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 188507
    تاريخ نشره : 7/21/2017 9:36:00 AM

    الحياة الدينية 16

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

     
    23.06.2017 
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    إن طرق مواجهة الإنسان المتدين للمعاناة والمصاعب والكوارث تتفاوت في ما بينها، فالإنسان المتدين الذي يملك رؤية توحيدية يسعى لتفسير  هذا النوع من المسائل بشكل دقيق وعميق على أساس معرفة علمية ودينية، لأنه يعلم أن كماله الإنساني سيتحقق فقط بالسعي والجهد المضاعف، و بتحمل المصاعب والمصائب. من هنا فإن هكذا شخصية صاحبة همّة عالية وفكر سليم في مواجة تلك المشاكل والصعوبات في الحياة، تعد مثلاً واضحاً للإنسان البالغ  والمتدين العاقل.

    لأن المصاعب والمعاناة لدى هذه الأفراد التي تواجه تلك المشاكل بالعقل والحكمة هي عامل تكوينٍ لشخصيتهم وذاتهم، يسعون دائما في عدم العجلة بالحكم على تلك المصاعب والمعاناة، بل ينظرون إليها بنظرة حكيمة ويحللونها تحليلا صحيحاً يتوافق مع الدين، ويستفيدون من تلك التجارب في حياتهم. هذا النوع من النظرة يساعد الإنسان على العيش في حياته بواقعية، لهذا قال الله تعالى في القرآن: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ؛ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً»[1] .

    كيفية مواجهة المعاناة والمصاعب

    الإنسان المتدين والمؤمن يجب أن يواجه الكوارث والمصاعب بصبر و حكمة بحيث إذا تعرض لأي مشكلة وحادث في المستقبل يغتنمها فرصة للرشد والتكامل، ويستفيد منها بشكل صحيح، لا أن يراها تهديداً له.

    فالإنسان العاقل  سيواجه تلك الحوادث والمصاعب بصبر وحكمة بحيث أنه يغتنم هذه التهديدات والمخاوف الناشئة من الآلام والمعاناة، والمشاكل والشدائد فرصاً لبناء شخصيته في الحياة الفردية والأسرية والإجتماعية.

    لذلك إن قدرة وإدارة المعاناة والحوادث الأعم من التكوينية والتشريعية أو الصادرة عن البشر ستجعل الإنسان يركب أمواج المعاناة ويتحكم بها ويسيطر عليها لا أن يصبح أسيراً لها ويقف أمامها مجرد مدافعٍ يحاول التخلص منها. ربما لهذا السبب والمهمة أساساً بعثت الأنبياء و الرسل لتنير دفائن العقول، و لذا يعتبر المنطق والتفكير في التعاليم والقيم الإسلامية عبادة، "وفي الواقع إن الإسلام يمنح العقل أصالةً وقيمةً كبيرة جداً ".[2]

    دور العقل في مواجهة المشاكل والمصاعب

    إن العقل يسلك طريق الصبر في مواجهة المشاكل والمصاعب ويتحكم في كل هذه الأمور بشكل صحيح، و أما ما ينبغي التفكير فيه بشكل صحيح، هو أن الله جعل خلقة الإنسان مجبولةً بالمصاعب والمعاناة حتى ينتصر عليها بإراداته في ميدان  المواجهة، وفي هذا الخصوص قال القرآن الكريم: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في‏ كَبَد ».[3] لذا في الواقع أخذ على الإنسان نوعاً من العهد على البلاء، وهذا ما أشار إليه الإمام الباقر(ع) بقوله:«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيَتَعَاهَدُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّة ».[4] وفي تعبير آخر للإمام الصادق (ع) أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلَاءِ غَتّاً».[5]

    الأثر التربوي في وعي الإنسان قبال فلسفة المحن والصعوبات

    إن معرفة أسرار وآثار المآسي والمعاناة من الناحية التربوية تتيح للإنسان أن يقويَ قدرةَ استيعابه لتحمل المحن اليومية والصبر عليها، بحيث تزداد قابلية استعداداته لدرك الأمور، ولأنّ الله بحكمته وضع الإنسان في مسير الكمال ستكون هذه الإمتحانات والمحن سببا لنضوج وتكوين شخصيته. من أجل ذلك لا بد على الإنسان أن يكون شاكراً للنعم وصبوراً تجاه المصائب والصعوبات. ومع هذه الرؤية التوحيدية للإنسان سينظر إلى البلاءات على أنها ألطاف إلهية تساعده في مسير التكامل على رشده في حياته الفردية والإجتماعية.

    لأنّ هذه الأمور تبعث الإنسان إلى تربية وتهذيب نفسه وتصفية أخلاقه، وهذا النوع من الرؤية تجاه المحن في الحياة تؤثر في تصحيح أفكاره ومحفّزاته، لذا إذا لم تعرف فلسفة هذه البلاءات و المحن بشكل صحيح سيصعب على الإنسان الوصول إلى كماله المطلوب ويقع في ميادين الصعوبات والشدائد، ولذا في غير هذه الصورة فإن الإستعداد ، و التربية، والوصول إلى الكمال والحركة إليه لن يكون لها أي معنى، من هنا جاء الإسلام ليأكد على التفكير المنطقي والتحليل والتفسير الصحيح لهذه المصاعب والمحن وكيفية مواجهتها وتحملها، وعدم الغفلة عنها، والإستفادة منها جميعاً بإغتنامها فرصةً قيّمةً للرشد والتكامل الروحي، وبالأمل وحسن التدبر يستطيع الإنسان حتماً الوصول إلى قمّة الإنسانية التي من أجلها خلق.



    [1]. مطهرى، مرتضى، العدل الإلهي (مجموعه آثار)، ج‏1، ص175

    [2]. المصدر السابق خمس عشرة خطبة (مجموعه آثار)،  ج21، ص484؛ الإنسان الكامل (مجموعه آثار)، ج23، 184ـ 186.

    [3]. البلد/4.

    [4]. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص255، ح17

    [5]. السابق، ص253، ح6.


    تعليق



    عرض غير العامة