facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 188520
    تاريخ نشره : 7/22/2017 12:53:00 PM

    العائلة في القرآن الكريم 37 ( الحاجة الى الانتظام والانضباط)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل حجة الإسلام و المسلمین الترابي


    21.07.2017

    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمين والحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه ولا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمد الله الذي لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه. وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. عبادالله، أُوصيكم ونفسي بتقوی الله واتّباع امره ونهیه.

     يقول الله تعالى فی محکم کتابه. اعوذ بالله من الشیطان الرجیم:

    الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ([1])

    كما اعتَدنا ايّها الإخوة والأخوات في الخطب السابقة أن نتناول واحدة من الإحتياجات العاطفية التي يجب أن تعمّ محيط الأسرة لتعيش السعادة والسكينة ولتربّي الأجيال الصالحة السائرة على طريق الحق، لذا سيكون حديثنا اليوم عن حاجة جديدة بعنوان الانتظام والانضباط.

    إنّ اهمية الانتظام والانضباط وضرورة برمجة اوقات الانسان في الحياة هو أمر عقلائي لا يختلف فيه اثنين من العقلاء. ولما  كان هذا الأمر ممدوحاً عقلاً اَمَرَ به الشارع المقدس ايضاً. لذا نرى كثير من المتون الشرعية تحثّ على ذلك وتوصي الانسان على تنظيم أوقاته ضمن برنامج حتى يستفيد في كلّ لحظة من عمره ويتجنب ان تضيع حياته سُدًى لا قيمة لها. ففي وصية مولانا ومقتدانا امير المؤمنين (ع) وهو في آخر لحظات حياته الشريفة يقول: «اُوصِيكُمَا وَ جَمِيعِ اَهلِي وَ وُلدِي وَ مَن بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقوَي اللّهِ وَ نَظمِ اَمرِكُم»([2])

    إنّ تقسيم الاوقات وفق برنامج محدد من السنن الالهية، من تقسيم الزمن الى سنين، والسنة الى أشهر، و الشهر الى ايّام، التي اشار اليها الله تعالى في محكم آياته: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ»([3])

    وعندما يُسأل النبيّ الاكرم محمد (ص)  من قِبل الناس عن الأهلّة يأمره الحق تعالى ان يقول لهم: انها علامات للوقت من اجل تنظيم حياة الناس: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ»([4]) ولم یتوقّف الامر على ما هو متعلّقٌ بحياة الانسان فحسب بل أن نظام الخلقة والتكوين قائم علی هذا المبدأ حتى استُدلّ من خلاله على وجود الخالق ووحدانيته في علم الكلام والفلسفة بما يُعرف ببرهان النظم، وفي الاية المباركة التي قرأنا في مستهَلِّ الكلام تشير بوضوح الى هذا «وَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ» لعَمري ما الميزان إلّا علامة النظام الذي معه تَنتَظِم الحياة والكائنات.

    اذا كان هذا هو حال الوجود وعالم التكوين، فمن بابٍ أوْلى ان تتصف حياة الانسان، باعتباره افضل المخلوقات وأشرفها، بالانتظام والانضباط. وقد اشارت الابحاث والتحقيقات ان هناك نوعان من الانضباط التي يحتاجهما الانسان في حياته: احدهما خارجي هو الانضباط  العملي، والآخر داخلي هو الانضباط الفكري، أمّا مورد كلامنا هو الانضباط العملي. الذي يُشكِّل حافزاً (باعثا) مهماً لنجاح المرء وتحقيق اهدافه في الحياة وهو نتيجة طبيعية للانضباط الفكري عند الانسان، لان الانسان المنظّم و الذی يُنجِزُ اعماله وفق برنامجٍ محدّدٍ، يعيش الراحة، والبعد عن الفوضى، وتوفير الوقت والاستفادة منه بالشكل الامثل، ويصبح الوقت مورد احترام وتبجيل لديه، مما يؤدي الى ان يحترم اوقاتِ الاخرين واذواقَهم في الحياة.

    ولّما كان الانتظام والانضباط بهذه الاهمية بالنسبة للانسان ومرتبط بعمره الذي لا يمكن ان يسترجع ايّة لحظة تمر، لذا ينبغي على الانسان يربّي نفسه على الانضباط والانتظام في الحياة، وخاصة من الصغر ليكون الانضباطُ و الانتظام بالنسبة الیه عادةٌ وملكة لا تنفكّ عن شخصيته لترافقه مَدى العمر، لذا قيل: من شبّ على شيء شاب عليه. وبرأيكم ايهّا الاخوة وأيتها الاخوات، أوليست الاسرة والعائلة المدرسة الأمثل لتحقيق هذا الامر؟  أوليس الوالدان هما المعلمان الافضل لتعليم ابنائنا هذين الركنين المهمين في الحياة؟ أليس لأولادنا حق علينا في اعطائهم الوقت الكافي لتأمين حاجاتهم العاطفية كما نؤمن لهم احتياجاتهم المادية من مأكل و ملبس ومسكن و  غیرها؟ نشير باختصار الى بعض النماذج  من الانضباط والانتظام  داخل البيت، تساعد في تحسين وضعية الانسان:

    ×   وضع برنامج عبادي داخل الاسرة، من تخصيص وقتٍ محدّدٍ لقراءة القرآن الكريم مثلاً او وقتاً لزيارة المسجد وغيرها.

    ×   تخصيص وقت للجلوس مع الاسرة والاستماع الى أرائهم، ومشاركتهم مشاكلهم والعمل على حلها بالشكل الجماعي.

    ×   وضع برنامج يومي او أسبوعي لافراد الاسرة وتقسيم أوقاتهم بشرط ان تكون هادفة قابلة للتطبيق والاستمرار والديمومة، تُلحظ فيه كل احتياجات الافراد مع مراعاة المرحلة العُمُرية، والابتعاد عن الافراط، والمهم في ذلك الالتزام بها من قبل واضعيها.

     ومن روائع الامام الكاظم عليه السلام التی تخص حياتنا رواية فيها كثير من العبر قوله (عليه السَّلام): اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ، ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، و سَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ‏ وَ الثِّقَاةِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ وَ يُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْبَاطِنِ، وساعة تخلون فيها بلذائذكم في غير محرّم وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات.



      القران الكريم، سورة الرحمن، 1 -- 8([1])

     محمّد بن حسين شريف الرضي، نهج البلاغة ، رسالة 47، ص558   ([2])

      القرآن الكريم، سورة التوبة، 36([3])

      القرأن الكريم، سورة البقرة، 189([4])


    تعليق



    عرض غير العامة