facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 189176
    تاريخ نشره : 8/23/2017 9:54:00 AM

    الحياة الدينية 21

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني



    18.08.2017 
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    عندما يبني الإنسان علاقة جيدة و دقيقة مع الدين، سيترك هذا الأمر أثره العميق فيه، وسيشعر لا شك بالطمأنينة الروحية، وقد تطرّأنا إلى هذا فيما سبق. هذه الطمأنينة تعين الإنسان على تحليل المسائل والحكم عليها بصورة صحيحة، وتجنّبه الوقوع في شباك التضليل، وهذا ما يبيّن لنا مدى أهمية هذه الجوهرة الثمينة، وأهمية البحث للحصول عليها.

    التديّن والطمأنينة الروحية

    ما هي الطريق للوصول إلى الطمأنينة الروحية؟ لقد جاءت الإجابة عن هذا السؤال في التعاليم الدينية، حيث ترشدنا هذه التعاليم إلى التمسك بالدعاء، العودة إلى الحق، ذكر الله، التفكّر في النفس والخلق. هذه وصفة مهمة جداً ينبغي العناية بها والتفكّر فيها للوصول إلى نتائجها الأكيدة.

    دور الدعاء في تحقيق الطمأنينة الروحية

    يُعتبر الدعاء أحد المواضيع التي تصدّرت اهتمامات الباحثين في عالمنا المعاصر. شيءٌ ما يميّز مناجاة الله وتسليم النفس له. ربما يعتبر بعض العلماء أن مفهوم الله من اختراع البشر، لكن المفكّرين المسلمين يعرفون أن التوجّه إلى الله الكامل المطلق هو حاجة فطرية واستجابة لنداء الباطن، ويكفي الرجوع للنفس لإدراك الحقيقة، هذا إذا كشفنا الغبار المتراكم على الفطرة التي أودعها الله في ذات البشر. عندما نجلو مرآة الروح، ستنعكس عليها صورة الحقيقة.

    نعيش في عصر التحوّلات الكبرى والتطور العلمي، في عصر لا يمكن معه الغفلة عن دور الدعاء في تحقيق الطمأنينة الروحية، أو اعتبار الدعاء مجرد خرافات، فهو يستند إلى عقائد صلبة. يمكن للدعاء وذكر الله أن يحميا الإنسان من الإضطراب ويُشعراه بالسلام الحقيقي، فيقوى الرجاء بالنجاة من الشقاء كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: «وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى‏ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّاً‏».[1]

    لا بد للإنسان من السعي للتخلص من الغفلة وبناء علاقة متينة مع الله عز وجل والشعور بالأنس عند مناجاته، و متى ما توجّه القلب إلى الله توجهاً حقيقياً، فالإستجابة قادمة لا محالة.

    يقول الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لايَستَجيبُ دُعاءً بِظَهرِ قَلبٍ ساهٍ، فَإِذا دَعَوتَ فاقبِل بِقَلبِكَ، ثُمَّ استَيقِن بِالإجابَةِ».[2] الإنسان الذي يحمل هذه الرؤية، سيشعر بالأمل والثقة لأنه لجأ إلى ركنٍ وثيق، وسترتفع قدرته على تحمّل الظروف الصعبة.

    دور الفكر في تربية الإنسان

    نحن بحاجة اليوم أن يصبح "التفكّر والتدبّر" أحد أصول التربية والتعليم، لكي يتمكن الطلاب في المستقبل من تحليل المسائل وفهمها بعمق، ولكي يتمكنوا من استكشاف أنفسهم.

    أيها الإنسان أنت مجموع أفكارك، والباقي مجرد لحم وعظم. إذا كانت أفكارك وروداً فستتحول إلى بستان، وإن كانت أشواكاً فستكون بواراً.[3]عندما يتربّى الإنسان على التفكّر، سيتغلّب على جميع المشاكل، وسيقطع الطريق على الخوف، وسيعتاد البحث عن الحلول، وإذا ما ضيّق عليه الآخرون وتعاطوا معه وفق انطباعات سلبية لن يعتبر هذا السلوك دليلاً على نقصٍ فيه، بل يتعاطى بالمعروف مع الآخرين ويكمل مسيرته الصحيحة في الحياة.

    فقدان الفكر الصحيح يعني فقدان الهوية

    عندما يعاني الإنسان من الفقر الفكري وقصر النظر، سيشعر بالعبثية وفقدان الهوية، وستتشكل لديه ميول نحو أذى النفس وصولاً إلى الإنتحار. يقول أحد الأساتذة المعروفين في جامعة برنستون "رونالد لايت"[4] إن في أميركا لوحدها يوجد خمسة ملايين ممّن حاولوا الإنتحار مرة واحدة على الأقل في حياتهم، وعلى الرغم من كل مساعي الجمعيات التي شُكّلت لمواجهة هذه الظاهرة، لم يتحقق شيء يذكر.

    هؤلاء أشخاص يشعرون أن الحياة عبثية، يشعرون باليأس والوحشة والإضطراب من الأزمات الإجتماعية، فيقدمون على مثل هذا الفعل الشنيع، مع العلم أن مجرد الفكر الصحيح في هذه الحالة لا يكفي بل لا بد من تعويد النفس على السلوك الصحيح الموافق للفكر الصحيح.

    الخاتمة

    عندما يتفكّر الإنسان في نفسه و العالم والله والمعاد يمكنه أن يصل إلى حالة الطمأنينة، وأن يشعر بدافع للإستمرار في هذه الحياة، والفكر الصحيح مقدمة لبلوغ قمم الكمال والحياة السعيدة، والوقاية من العبثية والحيرة على أنواعها.

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته


    [1]. مریم/48.

    [2]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص473، ح1، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [3]. مثنوی معنوی، دفتر دوم.

    [4].Ronald Light.


    تعليق



    عرض غير العامة