facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 189497
    تاريخ نشره : 9/9/2017 8:44:00 AM

    الحياة الدينية 23

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

    08.09.2017 
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    تتألف حياة الإنسان بشكل عام من مراحل ثلاث: "الحياة الجنينية، الحياة الدنيا والحياة الآخرة"، حيث تشكّل كلّ واحدة من هذه المراحل مقدّمة ضرورية لما بعدها، لذا من الضروري أن تكون بهذا الترتيب. تتشكّل الحياة في رحم الأم ثم يدخل الإنسان إلى عالم الدنيا، وبعد معايشته لأحداث وقضايا ومسائل، يخرج في نهاية المطاف إلى عالم الآخرة أو ما يعرف بـ"دار البقاء". وقد قدّم الدين تفسيراً عميقاً ودقيقاً لكلٍ من هذه المراحل.

    العلاقة الصحيحة بين الإنسان والحياة الدنيا

    تُعتبر الحياة الدنيا المرحلة وحدها من بين الثلاث التي يكون الإنسان فيها مختاراً، فلا المجيء إلى الدنيا ولا الرحيل عنها بيده، وفترته فيها محدودة مقدّرة، فلا بدّ أن يكون جاهزاً دائماً مُعدّاً زاده لدار البقاء، وهذا يتطلب أن يعيش حياته في الدنيا على أساس صلاح أمره وأمور الناس، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أصلِحوا دُنياكُم، وَاعمَلوا لِآخِرَتِكُم، كَأَنَّكُم تَموتون غَداً».[1] فلا بد للإنسان إذن من إدراك حقيقة الحياة في هذا العالم، والعمل على أساس هذا الإدراك.

    هناك مِن البشر مَن يعيش حياته في الدنيا دون دقّة ووعي، فيكون كما قال القرآن: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون (عن ارتكاب الخطأ)‏».[2] وهؤلاء من أضل الناس يوم الحساب كما ورد في قوله عز وجل: «وَ مَنْ كانَ في‏ هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبيلاً».[3]وهذا يعني أن امتلاك البصيرة في هذا العالم يعني امتلاك البصر في العالم الآخر، وكل إنسان يُحشر مع ما جمع من أعمال، فإذا جمع الجهل والتعلق بالدنيا، فهذا ما سيكون

     

    نصيبه، وفي المقابل، من بذل الجهد وحاول فهم الحياة وكسْبَ البصيرة سيُحشر على هذه الحال، والله عز وجل يقول: «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهينَةٌ‏‏»[4] «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى * وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى».[5] وفي آية أخرى: «يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَني‏ كُنْتُ تُراباً».[6]

    رؤيتان متضادتان للحياة الدنيا: التوحيد والمادية

    النظرة المادية إلى الحياة تعني أن العامل الأساسي في بناء العلاقات بين البشر هو الإنتاج المادي، وما يلحقه من أدوات، أما الرؤية القرآنية التوحيدية، فتعتبر أن نظرة الإنسان إلى نفسه والتعاليم الخالدة التي يؤمن بها هي التي تحدد سلوكه على الصعيد السياسي والإجتماعي والثقافي.

    يستطيع الإنسان المؤمن أن يجمع بين المادة وروحها جمعاً سالماً، خالياً من الإفراط التفريط، على خط متوازن مبني على أسس عقلية. عندما نمتلك الرؤية التوحيدية سنوازن بين ميولنا المادية والمعنوية، ولن نجعل الدنيا هدفاً لنا، بل وسيلة، ومزرعة، نزرع فيها الأخلاق الحسنة، العقيدة السليمة والأعمال الصالحة كما قال الرسول صلى الله عليه وآله «الدُّنيا مَزرَعَةُ الآخِرَة»[7] وكما قال الإمام الحسن عليه السلام: «اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَداً وَ اعْمَلْ لآِخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَداً».[8]

    هذا ما يدفع المؤمن لجمع الزاد للآخرة، ليمهّد لنفسه حياة رغيدة جميلة، ليشعر بالطمأنينة الروحية والفكرية، فعندها لن يخاف من ما بعد الموت، بل سيكون الموت بشارة له كما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «تُحفَةُ المؤمنِ المَوتُ‏».[9] وبالتالي تشكّل الدنيا فرصة للعمل، ولا مجال فيها لتضييع الوقت والكسل، ومن أراد المستقبل المشرق عليه أن يسعى ويُجهد نفسه في العمل. هكذا نفهم لماذا سُمّي المؤمن مؤمناً، لأنه آمِنٌ في الدنيا وآمِنٌ في الآخرة. هذه هي الدنيا والآخرة «إِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ إِنَّ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ‏»[10] كما قال أمير المؤمنين عليه السلام.

    بركات الإيمان بالآخرة

    يُعدّ الرجوع إلى الذات أحد أهم بركات الإيمان بالآخرة والمعاد، لأن هذا الإيمان يفعّل رقابة الإنسان الذاتيّة، فلا يسمح الشخص لنفسه بالسقوط في دوامات هوى النفس ونسيان حقيقة الروح، فهذا نتيجة حتميّة للبعد عن الله عز وجل كما جاء في قرآننا الكريم: «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم‏ إِنَّ الْمُنافِقينَ هُمُ الْفاسِقُون».[11]

    فخلاص الإنسان من العبثية واليأس إذن أحد أهم حكم المعاد، حيث يضع الإنسان على سكة الكمال. صحيح أنه في الآخرة ينال كلٌ من المحسن والمسيء جزاءه ويرى الجميع وعد الله و وعيده، ولكن حكمة المعاد لا تقف عند هذا الحد. الآخرة مقام الحضور عند القدرة المطلقة «في‏ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِر»[12] «يوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ»[13]هذا فارق أساسيّ جداً بين المدرسة الإلهية التي تتضمّن الإيمان بالآخرة والمعادة، والمدرسة المادية التي تلقي بالإنسان في بحور اليأس والحيرة والحزن، وتحرمه من فهم حكمة الحياة وهدفها.

    الخاتمة

    من الضروري أن يدرك الإنسان حكمة الموت لكي لا تصبح حياته عبثية كما حدث مع بعض المفكرين الذين حكموا بأن الموت هو العدم بالنسبة للإنسان.



    [1]. القضاعي، أبو عبداللَّه محمّد بن سلامة، مسند الشهاب‏، ج1،ص417، ح717، تحقيق حمدي عبدالمجيد السلفي، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الاولى، 1405ق.

    [2]. البقرة/171.

    [3]. الاسراء/72.

    [4]. المدثر/38.

    [5]. النجم/39ـ40.

    [6]. النبأ/40.

    [7]. ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، تنبيه الخواطر و نزهة النواظر، ج1، ص183، قم، مكتبه فقيه، چ اول، 1410ق.

    [8]. ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص156، ح3569، قم، دفتر انتشارات اسلامى، قم، چ دوم، 1413ق.

    [9]. قطب الدين راوندى، سعيد بن هبة الله، الدعوات للراوندي، ص234، ح648، قم، انتشارات مدرسه امام مهدى (عج)، چ اول، 1407ق.

    [10]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج8، ص58، ح21، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [11]. التوبة/67.

    [12]. القمر/55.

    [13] ـ غافر 16


    تعليق



    عرض غير العامة