facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 191205
    تاريخ نشره : 12/29/2017 4:14:00 PM

    الحياة الدينية 30

    خطبة الجمعة لمدير المركز الإسلامي وإمام المسجد آية الله الدكتور الشيخ رمضاني
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    لقد قدّم الإسلام برنامجاً لحياة الإنسان الفردية والإجتماعية لكي يضمن وصوله إلى السعادة في الدنيا والآخرة، ولذا تجد الإسلام يعمل على تربية الإنسان جسماً وروحاً، وهذا ما تهدف إليه القوانين الإسلامية التي تؤدي دوراً مهماً في إيصال الإنسان إلى كماله الحقيقي، من خلال تأثيرها التربوي على المجتمع.

    وحدة الأبعاد الفردية والإجتماعية في الإنسان عبر التاريخ

    من السهل جداً اكتشاف الرابط الحيوي الإجتماعي في حياة الإنسان الذي يحمل روحية إجتماعية على الصعيدين الغريزي والفطري وهذا ما تثبته مطالعة التاريخ. عندما يريد الإنسان سلوك مسار التكامل والتنامي في مختلف الأبعاد الإجتماعية، فهذا يعني أن كمالاته المادية والمعنوية يجب أن تكون في نفس السياق، شأنها شأن سائر الأمور الروحية والذهنية. وقد ثبت في الدراسات الميدانية الدقيقة أن الإنسان لم ينفصل عن بعده الإجتماعي في أي مرحلة من المراحل وإن لم تأخذ حياة البشر الأوائل الإجتماعية صورتها الكاملة التفصيلية.

    دور أنبياء الله في تبيين أبعاد الإنسان الإجتماعية

    كان الأنبياء الإلهيون السباقون إلى تبيين الأبعاد الإجتماعية للإنسان وتوعيتهم حول أهميتها وبذلك استحقوا لقب المعلمين الأوائل، وقد أشار القرآن الكريم في آيات متعددة إلى هذا الأمر منها قوله تعالى: «وَ ما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فيما فيهِ يَخْتَلِفُون؛‏ (أي لولا صدور أمر من الله بعدم مجازاة الناس بسرعة، لجرت محاكمتهم مباشرة)».  كما جاء في آية كريمة أخرى: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيمَا اخْتَلَفُوا فيهِ

     في البداية لم يكن هناك اختلاف لكن مع ظهور المجتمعات المختلفة وبروز مختلف الطبقات الإجتماعية بدأت الخلافات بالظهور) وَ مَا اخْتَلَفَ فيهِ إِلاَّ الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ».

    رؤية الإسلام حول أبعاد الإنسان الإجتماعية

    بنى الإسلام دعوته على ركن المجتمع وهذا واضح تماماً، ولم يغفل هذا الدين في أي من قوانينه حول أي شأن من شؤون الإنسان عن هذا الركن، وعند التمعّن بعض الأحكام الشرعية من قبيل الحج وصلاة الجماعة والإنفاق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... ترى بوضوح سريان روح المجتمع فيها؛ حيث تقود هذه الأحكام في الحقيقة الإنسان إلى الإلتحاق بالتجمعات، وهذا يعني أن الأحكام والقوانين الإسلامية وضعت لتنظيم المجتمع، إذ أن الإلتحاق بحركة المجتمع على أساس عقيدة التوحيد والمعاد تعطي أرضية خصبة للإنسجام والوحدة من أجل نيل السعادة والتقرب من الله وتحقيق العدالة.

    عندما نراجع الآيات والروايات نجد أن الرسول صلى الله عليه وآله أدى دور المصلح الإجتماعي الكبير، الذي نجح من خلال إدارته الأخلاقية وأسلوب المداراة من تغيير المجتمع الذي كان يحمل ثقافة جاهلية منحطة إلى مجتمع يسير على طريق التوحيد والعبودية لله والتقوى الفردية والإجتماعية.

    يرى الشهيد مطهري أن الحياة الإجتماعية هي الحياة السليمة التي يحترم فيها الناس حقوق بعضهم البعض ويسعون إلى تحقيق العدالة والتمتع بحق المواطنة، وهو مجتمع يحب كل شخص فيه لغيره ما يحب لنفسه ويكره لغيره ما يكره لها، وبالتالي هم يحبون بعضهم البعض. هم أشخاص مؤمنون يثقون ببعضهم البعض ويشعرون بالمسؤولية تجاه حل مشاكل الآخرين.

    كذلك أمر الإسلام برعاية حق القرابة صوناً للعلاقات الإجتماعية، حيث يقول الله تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ (أي واتقوا قطع الرحم)».  وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَ صِلَةُ الرَّحِمِ يُهَوِّنُ الْحِسَابَ»،  وقال صلى الله عليه وآله: «حسنوا اخلاقكم و الطفوا بجيرانكم و أكرموا نساءكم تدخلوا الجنة بغير حساب». 

    بناء علاقة صحيحة مع المؤمنين كذلك من المسائل التي تؤدي مراعاتها إلى بناء علاقات إجتماعية سليمة وهو ما يُعبّر عنه في الإسلام بالأخوّة، وهو تعبير جميل جداً في هذا المجال، ويقول الإمام الصادق عليه السلام حول

    هذه النقطة: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ هُوَ عَيْنُهُ وَ مِرْآتُهُ وَ دَلِيلُهُ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَخْدَعُهُ وَ لَا يَظْلِمُهُ وَ لَا يَكْذِبُهُ وَ لَا يَغْتَابُهُ».  ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: « تَرَى المُؤمِنينَ في تَراحُمِهِم وتَوادِّهِم وتَعاطُفِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ؛ إذَا اشتَكى‏ عُضو تَداعى‏ لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمّى‏».

    معيار الأخوة الأهم في الإسلام

    نفس الإنسان هي المعيار الأفضل الذي يمكن التقيّد به لكي يثبت أي شخص أخوته في المجتمع الإسلامي والديني، كما جاء عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ (ص) وَ هُوَ يُرِيدُ بَعْضَ غَزَوَاتِهِ فَأَخَذَ بِغَرْزِ رَاحِلَتِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يَأْتِيَهُ النَّاسُ إِلَيْكَ فَأْتِهِ إِلَيْهِم».  فصّلنا الكلام نوعاً ما عن طرق تحسين العلاقات الإجتماعية وهنا نذكر بعض الأمور التي تساعد في هذا المجال من قبيل: لين الجانب، التبسم، إلقاء السلام، المصافحة، السؤال عن الإسم، إفساح المجلس بقربك للآخرين، إحترام الناس ومداراتهم، استخدام الكلام اللطيف.

    الخاتمة

    يمكن قول الكثير عن ارتباط الأحكام والقوانين الإسلامية بالقضايا الإجتماعية، لكن من المؤكد أن موضوع الوحدة ووجوب الإبتعاد عن التفرقة يحوزان أهمية كبرى في هذا المجال؛ والوحدة هنا لا تدور حول العرق أو اللغة أو القومية أو الإقتصاد أو السياسة أو الثقافة، بل المحور في الوحدة المقصودة هو الإنسان وكرامته، وهذا لا يمكن أن يقف عند حدود الظاهر، بل لا بد فيه من توطيد العلاقة القلبية والبعد عن البغض والحسد. في نهاية المطاف، عندما تبرز الحياة الدينية في مختلف المجالات فهذا يعني وصول الناس إلى السعادة الواقعية في الدنيا والآخرة وبناء الجنة على هذه الأرض.

     


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :