facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 191207
    تاريخ نشره : 12/30/2017 9:22:00 AM

    دروس من القرآن (1)

    خطبة الجمعة لمدير المركز الإسلامي وإمام المسجد آية الله الدكتور الشيخ رمضاني
    15.12.2017 

    الموضوع:دروس من القرآن (1) «الإسلام دينٌ إجتماعي»


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    أولى الإسلام أهميةً كبرى للحياة الإجتماعية وعبّر عن رفضه حياة العزلة والإنزواء فدعا المجتمع المسلم إلى التعايش مع الآخرين وبناء علاقات معهم لتسود روح التعاون.

    بين النزعة الإنعزالية و الإجتماعية

    تكفينا نظرة إجمالية إلى الآيات القرآنية لنكتشف أن هناك الكثير منها يتحدث عن الجانب الإجتماعي في حياة الإنسان في مختلف المجالات، وهذا يعني أنّه يشجّع على الحياة الإجتماعية وتوسيع دائرة التواصل، كما يعني أن القرآن يرفض الرهبانية والعزلة والإنزواء، ويعتبر هذا الأسلوب من الحياة بدعة تهدد حياة الإنسان الإجتماعية.[1]

    تاريخ الرهبنة

    وصل الإمبراطور الرومي ديسيوس إلى السلطة خلال فترة من القرن الميلادي الثالث وحارب أتباع النبي عيسى عليه السلام، فظهر هذا النمط من الحياة، حيث لجأ هؤلاء الأتباع إلى الجبال والصحاري وبدأت مع ذلك حركة الرهبنة.[2] 

    رفض العزلة والإنزواء في الأديان الإلهية

    إن التمعّن والتدقيق في نصوص الأديان الإلهية يكشف عن رفض تعاليم أنبياء الله لمسلك الإنعزال، ولم يكن هذا الأمر موجوداً في القرون الثلاثة الأول من المسيحية، ثم ظهر فيها دون أن يكون مدعوماً من

     تعاليم هذا الدين. هنا لا بد من الإشارة إلى أن علماء الإجتماع الإسلاميين منهم و غيرهم يعتبرون أن الإنسان إجتماعيّ بالطبع، وهذا يعني أن الإنسان خلق ليعيش مع أبناء نوعه وفق قواعد وضوابط محدّدة وليعين بعضهم البعض الآخر على قضاء الحوائج.

    المسلك الإجتماعي في الرؤية القرآنية هو الأصل

    أثبتت التجربة أنه من الصعب جداً أن يلبّي الإنسان كافة احتياجات نفسه من مأكل وملبس ومسكن و... وهذا يستدعي أن يعيش الناس في مجتمع يسمح بتعاطيهم مع بعضهم البعض وحل المشكلات التي تواجههم.

    وقد قدّم الله لنا في كتابه الكريم قواعد للحياة الإجتماعية منها ما ورد في هذه الآيات الكريمة: «تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ»،[3] «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏»،[4] « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبير»[5]

    هناك الكثير من هذا النوع من الآيات بحيث يمكن الادعاء على أساس القرآن والروايات والدليل العقلي أن حياة الإنسان مبنية على أساس الإجتماع، وتوفّر الشروط الإجتماعية المؤاتية يمكّن الإنسان من الوصول إلى أهدافه السامية من قبيل الكرامة والعدل والأمان.

    فالإنزواء لا يتناسب إذن مع فطرة البشر ولا مع روح تعاليم الإسلام، الذي يشجع على العبادات الجماعية كصلاتَي الجماعة والجمعة، وفيه أحكام إجتماعية أخرى من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و

    القوانين المدنية والمواطنية... وبهذا يتبين أن الإسلام دين إجتماعي ولديه الكثير من الأحكام من تطوير العلاقات بين الناس وتعاونهم وتعايشهم مع بعضهم البعض.

      عندما ندقق في الآيات التي تطرح المواضيع الإجتماعية نجدها تؤكد على الميل إلى التجمّع: «وَ إِنْ يُريدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنينَ * وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَميعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ».[6]

    استناداً إلى هذه الآية نستنتج أنه لو كان للإنعزال قيمة في الإسلام لما ذكر الله التأليف بين قلوب المؤمنين كمعجزة كبيرة للنبي صلى الله عليه وآله حيث يؤكد هذا النوع من التعبير على أهمية وحدة القلوب وضرورة تآلفها، وهذا أحد الأهداف الكبرى لرسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، نبي الرحمة الذي جاء ليستبدل الثقافة الجاهلية المبنية على الجهل والحقد والحسد بتعاليم مبنية على الرحمة والإلفة، أي اجتماع الناس مع تآلفهم.

    حدوث هذا التغيير العميق في الروح من أعظم معاجز النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، الذي استبدل ثقافة جاهلية مبنية على العنف بثقافة نبوية مبنية على الرحمة تشجع على الإنسجام والتعاضد، وقد ظهرت هذه الثقافة عملياً في تعاطي الأنصار الإنساني مع المهاجرين بعد دخولهم المدينة.

    كذلك تعد المصالحة بين المتقاتلين منذ عشرات السنين، من التغيرات الثقافية التي نجح الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في إحداثها، فوضع حداً لحروبهم وعنفهم وآخى بينهم وأحيى فيهم روح التعاون والمداراة، وقد ذكر الله نعمة دفن الأحقاد وتقريب المسافات حيث قال عز وجل: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ [القرآن و الإسلام، وكل ما يساعد على الوحدة‏] جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون».[7]

     من التعاليم المهمة في هذه الآية الدعوة إلى الإعتصام بحبل الله، وهذا ما لا يمكن أن يتحقق إذا كان الإنسان يعيش حياة الإنعزال والإنطواء على النفس.

    وقد اعتبرت هذه الآية أن العداوة والخصومة من سنن الجاهلية والمحبة من خصائص تعاليم الوحي الإسلامية، ولذا قال تعالى:  كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً. وقال مؤكداً على ما سبق: «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ ...».



    [1]. «وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ‏»(الحدید/27).

    [2]. دائرة المعارف قرن بیستم، ماده رهب.

    [3]. المائدة/2.

    [4]. المائدة/8.

    [5]. الحجرات/13.

    [6]. الأنفال/62ـ63.

    [7]. آل عمران/103.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :