facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 191208
    تاريخ نشره : 12/30/2017 12:02:00 PM

    دروس من القرآن (2)

    خطبة الجمعة لمدير المركز الإسلامي وإمام المسجد آية الله الدكتور الشيخ رمضاني
    29.12.2017 

    الموضوع:دروس من القرآن (2) «الإسلام دينٌ إجتماعي»


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    اهتم الإسلام بقضية المجتمع كثيراً، وهذا ما نلحظه في كثير من الآيات والروايات بوضوح، فنفهم منها جلالة قدر الإجتماع وذمّ العزلة بشدّة، وقد خص الله الجماعة المؤمنة بتعاليم الوحي، بالرحمة والرأفة حيث قال تعالى:    «وَ جَعَلْنا في‏ قُلُوبِ الَّذينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً».[1]

    الإسلام و الرهبانية والعزلة

    لقد أوضح الإسلام موقفه من الرهبانية والعزلة معتبراً إياها بدعة اخترعها من ليس له حظّ من التعاليم الحقيقية لنبي الله عيسى عليه السلام، ولهذا قال تعالى بعد الآية السابقة: «وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها».[2] لكن البعض اعتبر أن الهدف من العزلة هو رضا الله تعالى، لكن هذا بالطبع بعيد عن الواقع ويمنع من القيام بحق الله عز وجل.

    مفهوم الرهبانية

    كلمة رهبانية مشتقة من كلمة "رهبة" بمعنى الخوف، والمقصود بها الخوف من الله. وقد فسّرها الراغب الأصفهاني بأنها الخوف المصحوب بالحذر والإضطراب.[3] ثم استخدمت هذه الكلمة لتعني الفئة التي اختارت العزلة وانشغلت بالعبادة وحرّمت الكثير من الأمور على نفسها وابتعدت عن الأمور الإجتماعية. أما إذا كانت الرهبانية تعني بساطة العيش والإبتعاد عن الكماليّات وتحرير النفس من أسر المال والجاه، فعندها تكون أمراً محبذاً وجيداً جداً.

     الرهبانية الجيدة

    إذا كانت الرهبانية تعني بساطة العيش والبعد عن الكماليات فهي ممتازة ومطلوبة، لا سيّما بالنسبة للقادة والحكّام الإلهيين كمقدمة للتأثير في الناس، بل قد تكون الرهبانية بهذا المعنى ضرورية أحياناً. أما إذا كانت الرهبانية تعني حرمان الإنسان نفسه من النعم الإلهية وتحريم ما أحل الله له فستكون مذمومة حينها. ولا مجال هنا بالطبع لتفصيل الحديث عن آفات الرهبنة ومخاطرها لكن نكتفي بالإشارة إلى رفض الإسلام لهكذا رؤية. بناءً على ذلك يمكن القول إن الإسلام يمتلك قوانين جامعة وكاملة ويسعى لتوحيد صفوف الناس وتقوية علاقاتهم ببعض.

    لقد أولى الإسلام اهتماماً خاصاً بالمشتركات العقائدية والإيمانية بين الناس والمشتركات التي تقربهم من بعضهم البعض، واعتبر المؤمنين كمثل الجسد الواحد، وإذا وُجد اختلاف في العقائد، فالمطلوب حينها المحافظة على البعد الإنساني في التعاطي والعلاقات العامة حيث لا بد من الاحترام شأن وكرامة الإنسان. ففي هذه الآية على سبيل المثال «وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً»[4] يؤكد الله على أهمية تعامل الناس مع بعضهم البعض بالحسنى والعِشرة الطيبة.

    كما لا بد من السعي للقضاء على مشاكلهم من قبيل الفقر والمرض والظلم و ... ولذلك نجد في بعض أدعية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه يقول: «اللَّهُمَّ أَغْنِ كُلَّ فَقِيرٍ‏».[5] ويوصي الإسلام بالإحسان والعدل تجاه غير المسلمين الذين يريدون أن يعيشوا بسلام داخل المجتمع المسلم حيث يقول الله عز وجل: «لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ».[6]

    اهتمام الإسلام بالجماعة

    يجب على الناس كما يستفاد من الروايات أن يحافظوا على جماعتهم ويراعوا حقوق بعضهم البعض، فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «ا أيُّها النّاسُ، علَيكُم بالجَماعةِ (الوحدة)، و إيّاكُم و الفُرْقةَ».[7] وقال صلى الله عليه وآله: «الجَماعةُ رَحمَةٌ والفُرْقَةُ عَذابٌ‏».[8]

      وعنه صلى الله عليه وآله: «يدُ اللَّهِ على‏ الجَماعةِ، فإذا اشْتَذَّ الشّاذُّ مِنهُم اخْتَطَفَهُ الشّيطانُ كما يَخْتَطِفُ الذِّئبُ الشّاةَ الشّاذّةَ مِن الغَنَم‏».[9] هنا لا بد من إلفات النظر إلى أن ما ورد في بعض الروايات في مدح الإعتزال، من قبيل ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: «سَلامَةُ الدِّينِ في اعتِزالِ النّاسِ»[10] أو قوله عليه السلام: «مَنِ اعتَزَلَ النّاسَ سَلِمَ مِن شَرِّهِم»[11] فهذا النوع من النصائح يرتبط بالحالات التي تشكّل فيها معاشرة الناس خطراً حقيقياً على دين الإنسان، وهذه حالات إستثنائية حتماً، ولا يُعمل بهذا النوع من الروايات كقاعدة وضابطة عامة لكي يبتعد كل شخصٍ عن الناس حفاظاً على دينه. فيختص هذا النوع من الروايات إذن بالأشخاص الذين ضعفوا أمام مظاهر الفساد ويلحق بهم الضرر، ولا يمكن استنباط مبدأ عام مفاده "الإبتعاد عن المجتمع". طبعاً لا بدّ من الإشارة إلى أن الإنعزال والإنطواء يخلق الكثير من المفاسد والمشاكل نذكر البعض منها فيما يلي:

    1-            عندما ينعزل الإنسان عن الناس قد يبدأ بإساءة الظن بأقرب الناس إليه وبمعارفه، وقد يتهم الناس بالفساد والظلم والحسد والحقد... لكن عندما يحضر في المجتمع ويعاشر العقلاء والصلحاء تتغيّر وجهة نظره.

    2-            تبعث العزلة عن الناس على الغفلة عن عيوب النفس، بين تكشف معاشرتهم عنها وتحفّز على معالجتها.

    3-            يصاب المنعزل بمرض العُجب، لأن الإنسان يمتلك غريزة حب الذات، وعندما ينعزل تنتفي فرصة مقارنة أعماله مع أعمال غيره وسلوكهم، وهذا ما يبعث على ادعاء الأفضلية.

    4-            يسبب الإنزواء الكثير من الإنحرافات والأفكار العوجاء وسوء الخلق، ولذا نجد الأشخاص المنعزلين سريعي الغضب، متشددين، عنيدين ومتكبرين.

    5-            يحرم الشخص المنعزل نفسه من تجارب الآخرين ويغلق على نفسه باب التطوّر والتعالي، لأن هذه الأمور تعتمد على الحضور في المجتمع والتواصل مع الآخرين، وهو ما يفتح الطريق إلى بحرٍ من العلم ومخزون كبير من التجارب يمكن الإفادة منها في حل المشاكل، ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وَالعَقلُ حِفظُ التَّجارِب‏».[12]

    الخاتمة

    لا شك أن الكثير من الآيات والروايات تناولت الوضع الإجتماعي وتحسين العلاقات بين الناس، وهناك توصية أكيدة للمسلمين للإهتمام بهذا الموضوع. روحية الجماعة تعني فهم الآخرين أكثر واكتساب طريقة أفضل للتعامل معهم وهو ما يؤدي إلى التعاون والتكامل، وعندما نتأمل في الأحكام الفردية الواردة في مجمل الآيات والروايات، نجدها تساعد على بناء المجتمع الإسلامي وتضع الإنسان على مسار تحقيق الأهداف السامية.



    [1]. الحدید/27.

    [2]. همان.

    [3]. راغب اصفهانى، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، ص366، بيروت، چ اول، بی تا.

    [4]. البقرة/83.

    [5]. كفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين و الدرع الحصين، ص222، بیروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، چ اول، 1418ق.

    [6]. الممتحنة/8.

    [7]. المتّقى الهندى،كنز العمّال‏، على،‏ ج1، ص206، ح1028، تصحيح صفوة السقّا، بيروت، مكتبة التراث الإسلامى، چ اوّل، 1397ق.

    [8]. همان، ج 7، ص558، ح20242.

    [9]. همان، ج1، ص206، ح1032.

    [10]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، ص319، ح7365، قم، دفتر تبليغات، چ اول، 1366ش.

    [11]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم، ص559، ح506، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم، 1410ق.

    [12]. نهج البلاغة، نامه31.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :