facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 191627
    تاريخ نشره : 1/20/2018 11:48:00 AM

    دروس من القرآن الكريم (5) «التکبّر و الإستکبار» (3)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

     19.01.2017 

    الموضوع:دروس من القرآن الكريم (4) «التکبّر و الإستکبار» (2)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    المشكلة الأهم التي واجهها الأنبياء عليهم السلام في حياتهم هي عناد المستكبرين المعاصرين لهم، فقد أدى عناد هؤلاء إلى إنكار جميع المعجزات التي شاهدوها بدلَ استيقاظهم من غفلتهم والإيمان بما جاءهم، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على تجذّر رذيلة التكبّر في أنفسهم حيث رفضوا سلوك طريق الحق، وهذا هو حال المتكبّرين كما قال تعالى: «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَ إِنْ يَرَوْا سَبيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبيلاً وَ إِنْ يَرَوْا سَبيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلين».[1]

    نتائج التكبّر في القرآن الكريم

    ذكرت الآية السابقة أحد أهم نتائج التكبّر، وهي رفض الإيمان أيّاً تكن الدلائل والآيات الإلهية، والجنوح نحو سبل الضلال بمجرد سنوح الفرصة لهم. وسنشير هنا إلى بعض أقوام الأنبياء كنماذج:

    1ـ العامل الأكبر الذي تسبب بتعاسة قوم عاد في زمن النبي هود عليه السلام هو الإستكبار كما ذكر الله عز وجل في كتابه حيث قال: «فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُون (بسبب حملهم لهذه العقيدة)»[2] وهو ما تسبّب بإرسال عذاب الريح عليهم كما جاء في الآية التالية [3].

    2ـ كذلك تحدث القرآن الكريم عن قوم شعيب واستكبارهم: «قالَ الْمَلَأُ الَّذينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ في‏ مِلَّتِنا قالَ أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهين».[4] كان هؤلاء المستكبرون يطمحون إلى إلحاق النبي شعيب عليه السلام وأتباعه بدينهم.

    3ـ كذلك واجه موسى و هارون عليهما السلام مستكبري عصرهما قارون و فرعون و هامان.كان قارون الرجل الثريّ المتفاخر بثروته المهين للفقراء، وكان يرى فرعون أن إمساكه السلطة يوجب أن يكون الرب الأعلى وأن يعبده الناس. أما هامان فكان الوزير المغرور المعاون لفرعون في كل أنواع ظلمه دون أدنى هوادة. جميع هؤلاء هلكوا بنحوٍ أو بآخر فمنهم من غرق في اليم ومنهم من ابتلعته الأرض هو وكنوزه. كذلك يذكر الله عز و جل تصرفات قوم عيسى واليهود الذين واجهوا النبي عيسى عليه السلام وعّذّبوا أصحابه.[5]

    4ـ كذلك عاصر النبي صلى الله عليه وآله قوماً مستكبرين كما ذكر القرآن، كفروا وعاندوا الحق وآذوا الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه بأشدّ ما يكون، وقد اتهموا النبي بتهم متعددة كالسحر والجنون، و ورد بعض هذه الأمور في الآيات الكريمة: «ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ (أي عن قبول الحق)* فَقالَ إِنْ هذا (أي القرآن الكريم) إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ‏».[6] هذا هو الأسلوب الذي تعاطى به القرشيّون المستكبرون مع النبي. لكن العذاب الإلهي ينتظر جميع المستكبرين: «وَ أَمَّا الَّذينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَليماً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصيراً‏».[7] في الحقيقة يغلق المستكبرون على أنفسهم أبواب الرحمة الإلهية ويُعدِمون فرصَ دخولهم الجنّة، فالله تعالى يقول: «إِنَّ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ في‏ سَمِّ الْخِياطِ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمين‏».[8] فهذه الآية تخبرنا بصراحة أن تكذيب الأقوام السابقين للآيات الإلهية واستهزائهم بأنبيائهم نابعٌ من خُلقهم الإستكباري.

     خلُق الإستكبار واستضعاف الشعوب

    يتّضح من خلال الآيات السابقة أن المستكبرين ديدنهم العدول عن طريق الحق وإنكار الآيات والمعجزات الإلهية، فهؤلاء يرون أنفسهم أرفع شأناً من أن يشملهم القانون الإلهي وأعلم من الوحي وهذا ما يخلق الكثير من المشاكل للمجتمع في النهاية. هؤلاء المتكبّرون يستسيغون كل أنواع الظلم والنهب ويسعون للسيطرة على مصير الناس. لا مشكلة لدى المستكبرين في سحق الفقراء المعدومين طالما أن هذا يخدم توسيع إطار نفوذهم ويسمح لهم بنهب ثروات الشعوب والمظلومين المستضعفين. عندما يحصل المستكبر على القوة المطلوبة سيسعى للسيطرة على العالم بأكمله وسيفرض القانون الذي يعجبه.

    الخاتمة

    لا يخفى على أحد في عصرنا الحالي ما يمارسه المستكبرون من ظلم، والعذابات التي تتجرّعها الشعوب، والجميع يرى أننا نعيش أزمة في هذا الزمن.



    [1]. الأعراف/146.

    [2]. فصلت/15.

    [3].«فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ ريحاً صَرْصَراً في‏ أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى‏ وَ هُمْ لا يُنْصَرُون».(فصلت/16)‏

    [4]. الأعراف/88.

    [5].«لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذينَ أَشْرَكُوا وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُون‏»(المائده/82)

    [6]. المدثر/22ـ24.

    [7]. النساء/173.

    [8]. الأعراف/40.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :