facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 192352
    تاريخ نشره : 3/2/2018 12:06:00 PM

    دروس من القرآن الكريم 9 (التوكل 1)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين.

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه

    الموضوع:دروس من القرآن الكريم 9 (التوكل 1)

    ورد في تعاليم الإسلام مجموعة من العناصر المفعمة بالأمل بمستقبل الحياة، ومنها التوكّل الذي يُعد رأسمال مال مهم جداً عند الإنسان المؤمن وذا دورْ مهم في التعالي والرقيّ لا سيما في مقابل الإنحرافات الإجتماعية والروحية والمعنوية.

    حقيقة التوكّل

    من المهم جداً التعرّف على المعنى الحقيقي والدقيق للتوكّل تجنباً للفهم الخاطئ لهذا الكنز العظيم. فهناك بعض الكسالى وضعاف العقيدة الذين يدّعون أنّهم متوكّلون، الذين يظنون أنهم ليسوا بحاجة للقيام بأي خطوة ولا داعي عندهم لتهيئة مقدّمات العمل لكي تستقيم أمورهم. كمن يترك جملاً في الصحراء مثلاً وعندما يقال له قد يضيع أو يُسرق، يقول: توكلت على الله!! وإذا قيل له ساعد فلاناً في حل مشكلته يقول فليتوكّل على الله، وإذا قيل إعمل على طلب الرزق لتعيل عائلتك قال: أنا متوكّل على الله!!

    عندما يعتبر صاحب هكذا أفكار نفسه مؤمناً فهو ينسب الكسل إلى الدين ويفتح باب الإنحراف أمام نفسه وغيره لأنّه بفهمه السطحي للدين يقضي على الأخلاق القيّمة والعمليّة مثل فضيلة التوكّل. ومن هنا تبرز أهميّة العودة إلى الآيات والروايات لنكتشف المعنى الحقيقيّ للتوكّل. التوكّل الحقيقي يعني أن يجعل الإنسان ربّه عز وجل وكيل شؤونه بعد أن يبذل كافة المساعي المطلوبة لتدبير أموره، فيعتمد على لطف الله وعنايته.

    التوكّل في الواقع هو حالة نفسية، لأنه يعني الثقة القلبية بالله تعالى في جميع الأعمال، وهو لا يعني الغفلة عن الأسباب الطبيعية والإمكانات التي وضعها الله القادر على مسار الحياة. لا يرى المؤمن أن هناك تعارض بين توسّل الأسباب الطبيعية والتوكّل على الله، لأن الله هو سبب الأسباب و يرى المؤمن أن كل شيء يحصل بإذن الله ولا يرى أن هناك سببٌ مستقل.

     من هنا تتّضح أهمية معرفة التوكّل والإيمان به. يقول الفيض الكاشاني رحمه الله: «اعلم أنّ التوكّل من أبواب الإيمان و جميع أبواب الإيمان لا ينتظم إلّا بعلم و حال و عمل و التوكّل كذلك ينتظم من علم هو الأصل، و من عمل هو الثمرة، و حال هو المراد باسم التوكّل».[1]

    من المهم جداً أن يسلك الإنسان في حياته الطريق التي لا يغفل فيها عن حقيقة التوحيد أبداً سواءً على الصعيد النظري أم العملي، وبالتالي يجب أن لا نقصر رؤيتنا على الأسباب الظاهرية لأن هذا يعني الإبتلاء بنوع من الشرك العملي.

    فعلى الإنسان المؤمن إذن أن يأخذ بالأسباب الطبيعية ليتفوّق على المشاكل والموانع التي يواجهها، وعليه أن يثق بألطاف الله اللامتناهية والواضحة، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه سأل جبرائيل عليه السلام فقال: «و ما التَّوكُّلُ علَى اللّهِ عز و جل؟ فقالَ: العِلمُ بأنَّ المَخلوقَ لا يَضُرُّ ولايَنفَعُ ولا يُعطي ولا يَمنَعُ، واستِعمالُ اليَأسِ مِن الخَلق».[2] وهذا يعني أن يعتبر الإنسان أن كل شيء من الله وبإذنه تعالى. ثم يقول الرسول صلى الله عليه وآله: «فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كَذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ لِأَحَدٍ سِوَى اللَّهِ وَ لَمْ يَرْجُ وَ لَمْ يَخَفْ سِوَى اللَّهِ وَ لَمْ يَطْمَعْ فِي أَحَدٍ سِوَى اللَّهِ فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّل».[3]

    وقد جرى التأكيد على هذه النقطة في الروايات بأن التوكل على الله يجب أن يصحبه الأخذ بالأسباب العادية، وهذا مفاد ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله حينما ترك أعرابي ناقته وجاء إلى الرسول وقال له: «تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه‏» فقال له النبي صلى الله عليه وآله: «اعْقِلْهَا وَ تَوَكَّل».[4] وفي رواية «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص) أُرْسِلُ نَاقَتِي وَ أَتَوَكَّلُ‏ أَوْ أَعْقِلُهَا وَ أَتَوَكَّلُ؟ قَالَ(ص): اعْقِلْهَا وَ تَوَكَّل‏».[5]

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين



    [1]. فيض كاشانى، محمد بن شاه مرتضى‏، المحجة البيضاء، ج7، ص381، قم، موسسه النشر الاسلامي‏، چ چهارم، 1417ق

    [2]. ابن بابويه، محمد بن على، معاني الأخبار، ص261، قم، دفتر انتشارات اسلامى، چ اول، 1403ق.

    [3]. همان.

    [4]. «وَ دَخَلَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ(ص) فَقَالَ(ص) أَ عَقَلْتَ نَاقَتَكَ؟ قَالَ لَا قَدْ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ! فَقَالَ(ص) اعْقِلْهَا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّه‏». (الديلمي، الحسن بن محمد، إرشاد القلوب، ج1، ص121، قم، انتشارات الشريف الرضي، چ الثاني، 1415ق.)

    [5]. «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص) أُرْسِلُ نَاقَتِي وَ أَتَوَكَّلُ‏ أَوْ أَعْقِلُهَا وَ أَتَوَكَّلُ؟ قَالَ(ص): اعْقِلْهَا وَ تَوَكَّل‏». (طبرسى، على بن حسن، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص319، نجف، المكتبة الحيدرية، چ دوم، 1385ق؛ و البُستي، ابن حبان، صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ج2، ص510، بیروت، مؤسسة الرسالة، چ الثانية، 1414ق، نحوه).


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :