facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 192859
    تاريخ نشره : 3/29/2018 12:51:00 PM

    دروس من القرآن الكريم 11 (التوکل 3)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين.

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه

    الموضوع:دروس من القرآن الكريم 11 (التوکل 3)

    عندما ينوي الإنسان القيام بأعماله قد تعترضه موانع عديدة باطنية و ظاهرية، لكنّه إذا كان مؤمناً فسيعتمد على الله لاجتياز هذه الموانع لا سيما عند ضعف الإرادة والخوف والحزن والإضطراب والجهل والخجل وسوء الظن و... هذه حالات قد تعترض الإنسان و تمنعه من القيام بالكثير من الأعمال، لكن عندما يتوكّل على الله ويبذل ما في وسعه ويسلّم الأمر لربّه، عليه أن لا يشكّ أن النجاح بانتظاره.

    فضيلة التوكّل هذه مهمة جداً في تطوير النفس وتحقيق الأهداف واجتياز المراحل المختلفة في الحياة وتستدعي تعرّف المؤمنين على قصص الأنبياء الذين بلّغوا رسالتهم معتمدين على القدرة الإلهية المطلقة.

    توكل النبي هود عليه السلام

    أشرنا فيما سبق إلى التوكّل في سيرة النبي نوح عليه السلام. واليوم نستذكر سيرة النبي هود عليه السلام الذي دعا قومه إلى صراط الحق فأعرضوا عن دعوته ووجّهوا له تهديدات خطيرة، لكنّ هذا النبيّ صمد في وجه أذى قومه وآمن أنّ هؤلاء القوم لن يستطيعوا مسّه بأي سوء لتوكّله على الله، وهذا ما ذكره لهم كما جاء في القرآن الكريم: «قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَري‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكيدُوني‏ جَميعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُم».[1]

    التوكّل في سيرة النبي إبراهيم عليه السلام

    هناك الكثير من المواضيع التي طرحها القرآن الكريم حول النبي إبراهيم عليه السلام منها نيله مقام الإمامة والقيادة بعد اجتياز الإمتحانات العظيمة والصعبة بالتوكّل على الله عز وجلّ. فقد كان النبي يسلّم أمره لله تعالى في كل امتحان مهما بلغت صعوبته ولا يعترض ولا يرى نفسه سوى عبداً لله وكان يستمرّ في العمل برسالته بطمأنينة كاملة.

    و في إحدى مهمّاته الرسالية، أسكن هذا النبي الإلهي زوجته و ابنه في أرض قاحلة لا زرع فيها ولا ماء كما ورد في كتابه تعالى: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي‏ بِوادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون».[2]

    من البلاءات الأخرى التي اجتازها هذا النبي الكريم تعرّضه للمحاكمة ووضعه في المنجنيق تمهيداً لرميه في النار العظيمة حيث تقول الرواية «لَمّا القِيَ إبراهيمُ(ع) فِي النّارِ تَلَقّاهُ جَبرَئيلُ(ع) فِي الهَواءِ وهُوَ يَهوي إلَى النّارِ، فَقالَ: يا إبراهيمُ، ألَكَ حاجَةٌ؟ فَقالَ: أمّا إلَيكَ فَلا».[3]

    هذا الجواب من هذا الوجود النوراني يعكس مدى علو مقام التوحيد العملي عند هذا النبي العظيم، وهذا ما يستدعي التدقيق في معاني آيات اليقين والطمأنينة وآيات احتجاجه على عبدة القمر والشمس والنجوم، حيث لا بد من وضع كلامه فيها في سياق إثبات وجود الله تعالى حيث قال «لا أُحِبُّ الْآفِلين‏».[4]

    إن التدقيق في كلمات هذا النبي الكريم وسعيه لإثبات وجوده الله تعالى يقود إلى الإعتقاد أن أعمال هذا النبي كانت طلباً لرضا الله تعالى وجعلت منه نموذجاً وقدوة للموحّدين في العالم، وهذا ما ينقله لنا القرآن الكريم عنه عليه السلام: «قُلْ إِنَّ صَلاتي‏ وَ نُسُكي‏ وَ مَحْيايَ وَ مَماتي‏ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمين».[5]

    توكّل النبي شعيب عليه السلام

    ذكر لنا القرآن كذلك النبي شعيب عليه السلام الذي كان صاحب مقام عالٍ في التوكّل في المواجهة التي خاضها مع عبدة الأصنام والمشركين من قومه، وهو من الأنبياء القدوة في هذا المجال وقد نقل لنا القرآن الكريم قوله: «إِنْ أُريدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفيقي‏ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنيب‏».[6]

    توكل أنبياء الله

    يشير القرآن في موارد أخرى إلى قصص توكّل الأنبياء الآخرين كيعقوب ويوسف وموسى عليهم السلام وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله، ويبرز في هذه القصص دور التوكّل في انتصار هؤلاء الأنبياء وهذا التوكّل هي سنّتهم عليهم السلام كما قال تعالى في كتابه الكريم: «وَ ما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون».[7] 

    تأثير التوكل في دفع المشاكل

    إن للتوكّل على الله تعالى دورٌ كبيرٌ في القضاء على المشاكل، وقد وعد الله عز و جل المتوكلين عليه بالنجاح والنصر: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً‏».[8] 

                                                                                والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     

     

     



    [1]. هود/54ـ56.

    [2]. ابراهیم/37.

    [3]. ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع، ج1، ص36، ح6، قم، كتاب فروشى داورى، چ اول، 1385ش.

    [4]. الانعام/76.

    [5]. الانعام/162.

    [6]. هود/88.

    [7]. ابراهیم/12.

    [8]. الطلاق/3.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :