facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 192883
    تاريخ نشره : 4/1/2018 4:20:15 AM

    دروس من القرآن الكريم 12 (التوکل4 )

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين.

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه

    الموضوع:دروس من القرآن الكريم 12 (التوکل4 )

    ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام تعابير مختلفة حول التوكّل، ما يعكس أهمية التوكّل على الصعيدين العلمي والعملي في حياة الإنسان، فعن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: «فِي التَّوَكُّلِ حَقِيقَةُ الْإِيقَان‏».[1] كذلك ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام قوله:«فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ وَ حَشْوُهَا الْإِيمَانَ وَ شِرَاعُهَا التَّوَكُّل‏».[2] وقال الإمام الصادق عليه السلام: «جَعَلَ اللَّهُ التَّوَكُّلَ مِفْتَاحَ الْإِيمَان‏».[3] وعدّ الإمام علي عليه السلام التوكّل الركن الذي يلجأ إليه الإنسان في الشدائد فقال: «التَّوَكُّلُ خَيْرُ عِمَاد».[4] وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «الْإِيمَانُ لَهُ أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ:

    1-  التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ

    2-  وَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ

    3-  وَ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ

    4-  وَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ».[5]

    بركات وآثار التوكّل

    عندما يتعرّف الإنسان على بركات التوكّل ونتائجه سيسعى تلقائياً للتحلّي بهذه الفضيلة. التوكّل ناتج بالطبع عن عقيدة التوحيد الأفعالي بمعنى أن كل ما في هذا العالم يستمد ما لديه من الله تعالى. يتعرّض الإنسان في هذا العصر إلى الكثير من المشاكل في حياته، وكثيراً ما يشعر بالضعف ويصاب باليأس. فالأمر يتطلّب إذن توكّلاً حقيقياً يتجاوز حدود اللسان. بالتوكّل على الله تقوى إرادة الإنسان وتتعزّز قدرته على الصمود ومواجهة المشاكل. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «مَن أحَبَّ أن يَكونَ أقوَى النّاسِ فلْيَتَوكَّلْ علَى اللَّهِ تعالى»[6] ولن يبقى والحال هذه أي معنى للهزيمة. حتى عندما يُمنى الإنسان بهزيمة ظاهرية، سيكون في الحقيقة منتصراً لأنه لم ينسحب من المواجهة وصمد رغم الصعاب وأدّى واجبه. وهذا ما تشير إليه رواية عن الإمام الباقر عليه السلام حيث قال: «مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ لَا يُغْلَبُ وَ مَنِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ لَا يُهْزَم‏».[7]

    التوكّل وقوة روح الإنسان

    عندما يتوكّل الإنسان على الله سيشعر بقوة عارمة في داخله و سيواجه مختلف المسائل بنفس مطمئنة وضمير حيّ، ولن يشعر بأي نقص. لن يتهرّب من الواقع، وسيعرف ماذا عليه أن يفعل، بل سيفوز بأمرين مهمّين كما أخبر الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: «إِنَّ الْغِنَى وَ الْعِزَّ يَجُولَانِ فَإِذَا ظَفِرَا بِمَوْضِعِ التَّوَكُّلِ أَوْطَنَاً».[8] وقال عليٌ عليه السلام إن المتوكّل لا يُحرم من المدد الغيبي «مَنْ كَانَ مُتَوَكِّلًا لَمْ يَعْدَمِ الْإِعَانَة»،[9] فمن يقوم بواجبه ويدبّر أموره ويكِل أمره إلى الله بعدها سينجو من البلايا «التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَ حِرْزٌ مِنْ كُلِّ عَدُوٍ»؛[10] وسيسلك سبيل التكامل في مختلف مراحل الحياة «مَنْ وَثِقَ بِاللَّهِ آوَاهُ السُّرُورَ وَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ الْأُمُور».[11]  لطالما كان الأنبياء وأولياء الله من أبرز نماذج التوكّل على الله حتى في أحلك الظروف وأصعبها.

     كانوا يتحرّكون بطمأنينة ويتحمّلون الأذى، وهم يعرفون أن للإيمان والدعوة إلى الله ثمن لا بدّ من دفعه. كانوا يقتحمون الصعاب ولا ينسحبون من المواجهة، وقد ذكر لنا القرآن كثيراً من قصصهم، ومن يطّلع عليها يستطيع تقوية إيمانه وعقيدته وسيكون بإمكان الإقتداء بهذه الشخصيات العظيمة. لا بدّ للبشر في هذا العصر من العودة إلى الله والتوكّل عليه للنجاة من المخاطر التي تتهدّدهم سواء على صعيد المشاكل الظاهرية أم الباطنية والنفسية وبهذا تزكو أنفسهم وينالون خلاصهم.

    الخاتمة

    نختم الكلام برواية عن الإمام الباقر عليه السلام الذي نقل لنا حوار النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله مع مجموعة لقيها في سفره: «لَقِيَ‏ رَسُولَ‏ اللَّهِ(ص)‏ فِي‏ بَعْضِ‏ أَسْفَارِهِ‏ رَكْبٌ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص) فَقَالَ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا نَحْنُ مُؤْمِنُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص) قَالَ فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكُمْ قَالُوا الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ التَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ وَ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) عُلَمَاءُ وَ حُكَمَاءُ كَادُوا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْبِيَاء».[12]

    «نسأل الله أن يوفقنا لفهم حقيقة التوحيد الأفعالي وأن يجعلنا في زمرة المتوكّلين الحقيقيين عليه، إنه سميع مجيب».

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     

     

     

     



    [1]. تميمى آمدى، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم، ص477، ح42، قم، دار الكتاب الإسلامي، چ دوم،1410ق.

    [2]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص16، ح12، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.

    [3]. منسوب به جعفربن محمد، امام صادق(ع)، مصباح الشريعة، ص164، بیروت، اعلمى، چ اول، 1400ق.

    [4]. تميمى آمدى، همان، ص35، ح547.

    [5]. كلينى، همان، ج2، ص47، ح2.

    [6]. شعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، ص117، نجف، مطبعة حيدرية، چ اول، بى تا.

    [7]. همان، ص118.

    [8]. کلینی، همان، ج2، ص65، ح3.

    [9]. تميمى آمدى، همان، ص598، ح483.

    [10]. اربلى، على بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج2، ص346، تبریز، بنى هاشمى، چ اول، 1381ق.

    [11]. شعيري، همان، ص117.

    [12]. طبرسى، على بن حسن، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص19، نجف، المكتبة الحيدرية، چ دوم، 1385ق.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :