facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 194026
    تاريخ نشره : 5/29/2018 2:30:55 PM

    دروس من القرآن الكريم 17 (الشكر 5)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: دروس من القرآن الكريم 17 (الشکر 5)

    تحدثنا سابقاً عن فضيلة الشكر وأهميتها وذكرنا إن تقدير هذه النعم الإلهية يكون بمعرفتها والتحدث بها ونسبتها إلى الله تعالى واستخدامها في الطريق الصحيح وهذا ما ينعكس ازدياداً في النعم الإلهية واتساعاً في دائرة الإنسان الوجودية.

    من المفيد في تربية الإنسان أن نعرف أن شكر الإنسان لأنعم الله سيؤدي إلى شكر الله له، ولذلك وصف الله عز وجل نفسه في سورة النساء بأنه شاكر: «وَ كانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً»[1] وفي آية أخرى من سورة البقرة قال تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَليم»[2] وكذلك أطلق على نفسه صفة الشكور حيث قال عز وجل: «إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُور»[3] «إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور»[4] «وَ اللَّهُ شَكُورٌ حَليم»[5] «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُور»[6]. هاتان الصفتان "الشاكر" و"الشكور" مشتقّتان من الشكر، وهما من أسماء الله الحسنى، ومن صفاته الفعلية، وتعبّران عن مضاعفة الله عز وجل لنعمه على العبد الشكور، وغمره بألطافه الخاصة.

    الشاكر والشكور من صفات الله تعالى

    صفة شكور الواردة في الآيات هي صيغة مبالغة مقارنةً مع شاكر، وهي تعني أن الله تعالى كثير الشكر، ويجزي الخير الكثير على الطاعات القليلة جداً من العباد. هناك معانٍ أخرى ذكرت لهاتين الصفتين أي "الشاكر والشكور"، مثل أن الله تعالى يوفق عباده للشكر ومع ذلك يعطيهم الخير الجزيل على طاعاتهم القليلة،ويعطيهم نعم الآخرة غير المحدودة على أعمالهم المحدودة في الدنيا. ومن المعاني أيضاً أن الله يقبل من عباده القليل ويعطيهم الكثير ومن المعاني كذلك أن الله يجزي عباده الشاكرين لأنعمه باستعمالها في المكان المناسب خير الجزاء.[7] ولا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة هنا وهي أن المفسر الكبير العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان يقول إن إطلاق صفة الشاكر والشكور على الله تعالى إطلاق حقيقي، وهذا يعني أن الشكر الحقيقي هو الشكر الصادر من الله تعالى.[8]

    الأوصاف المشتركة بين الله والإنسان

    هناك صفات يمكن إطلاقها على الله والإنسان، مثل سميع، بصير، عالم، قادر، حكيم، شاكر وشكور. صحيحٌ أن معاني هذه الصفات مشتركة لكن تحقق هذه الصفات في الإنسان بحاجة إلى مقدمات، فالبصر والسمع بالنسبة للإنسان بحاجة إلى عين وأذن، أما الله تعالى فليس كذلك وهو يبصر ويسمع من غير آلة، وهكذا بالنسبة للعلم.علم الإنسان يعتمد على الحواس الخمسة في جزء منه، ويعتمد في العلوم الإكتسابية على الدراسة والحضور عند أستاذ، أما الله تعالى فهو يعلم بكل شيء دون حاجة إلى حواس ظاهرية كانت أم باطنية، علم الله من صفاته الذاتية مثل القدرة والحياة وهذا هو معنى "الحسنى" في أسماء الله تعالى، أي أنها تحوي أعلى مراتب الكمال. لا حاجة لأي آلة أو واسطة لاتصاف الله تعالى بأي كمال وجودي، فالله هو صاحب أكمل وجود، وكل ما عداه يأخذ وجوده وكماله منه. فعندما يقال إذن إن الله والإنسان كلاهما شاكر، فهما شاكران بالمعنى الحقيقي، إنما في الإنسان المعنى هو إظهار نعم الله ونسبتها إليه واستخدامها فيما يرضيه، مقدمة للوصول إلى مرحلة يصبح فيها عمل الإنسان شبيها بعمل الله حيث يقبل من الآخرين أعمالهم القليلة ويجزيهم عليها وبهذا يحقق صفة الله في نفسه؛ وهذا أمر ممكن بالنسبة للإنسان فقد روي: «تَخَلّقُوا بِاخلاقِ اللّهِ»[9]. الله تعالى عالم قادر حكيم حليم والإنسان يستطيع أن يكون هكذا أيضاً، وكما أن الله شاكر كذلك يمكن للإنسان أن يكون شاكراً.

    ولذلك يعتقد العلامة الطباطبائي رحمه الله أن الآية 19 من سورة الإسراء: «وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً»[10] تعني أن الإنسان يصبح مشكوراً والله شاكراً، بعد أن كان الإنسان يشكر الله تعالى.  وفي سورة الإنسان يقول الله تعالى: «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورا»[11] حيث تشير الآية إلى شكر سعي أهل البيت عليهم السلام، وبالتالي يصبح الله شاكراً ويتحقق في الله نفس الوصف الذي تحقق في الإنسان.

    فليحاول الإنسان إذن أن يتحلى بالصفات الإلهية ولْيسعَ أن يكون مظهر صفات الحكمة والحلم والقدرة والعلم والشكر والعفو والغفران عبر التزامه بأوامر الله عز وجل، وهذا يتمّ من خلال تهذيب النفس.

    هذه هي الفكرة المهمة في سر الخلق وهدفه، وهو ما يستدعي معرفتها والتركيز عليها، وهي ترشد إلى عظمة مقام الإنسان. فلسفة خلق الإنسان إذن هي بمعنى من المعاني التحلي بالصفات الإلهية كما جاء في الرواية: «عَبْدِى أَطِعْنِى حَتَّى أَجْعَلَكَ مَثَلِى أقولُ لِلشي‏ء كُن فَيَكون وَ تَقُولُ لِلشي‏ء كُن فَيَكون»[12].

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     



    [1] . نساء، 147.

    [2] . بقره، 158.

    [3] . فاطر، 34.

    [4] . همان، 30.

    [5] . تغابن، 17.

    [6] . شوری، 23.

    [7] . رضا رمضانی گیلانی، درآمدی بر اسماء الهی از دیدگاه قرآن و عرفان، ص 282 و 283.

    8.علامه طباطبایی،المیزان فی تفسیر القرآن،ج1،ص 387:« إطلاق الشاكر عليه تعالى على حقيقة معنى الكلمة من غير مجاز.»

    9. علامه مجلسی،بحار الأنوار (ط - بيروت)، ج‏58، ص129

    .إسراء،19[10]

    .إنسان،22[11]

    .علامه مجلسی،بحارالأنوار،ج 102،ص 165[12]


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :