facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 194160
    تاريخ نشره : 6/10/2018 3:08:25 PM

    علي عليه السلام قدوة البشر

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: علي عليه السلام قدوة البشر

    بمناسبة حلول ذكرى شهادة هذه الشخصية الإلهية العظيمة ومعجزة النبي الأكرم التربوية، نستحضر معاً بعض النقاط باختصار.

    عاش علي عليه السلام حياته كموحّدٍ حقيقي كامل، لم يسجد لصنم قط، وكان عبداً مخلصاً لله تعالى وكانت كل حياته مسخرة لله عز وجل. لم يجانب الحق قيد أنملة وكان الأكمل في كل المجالات. كان الأكمل بعد النبي صلى الله عليه وآله في العبادة والزهد والشجاعة والتدبير والحكمة والمعرفة والعبودية والخلق والأدب باعتراف الكل عبر كل الأزمنة.

    لم يكن الإمام علي عليه السلام قدوة وأسوة لأبناء عصره فحسب، بل للبشرية جمعاء. هو أستاذ التوحيد والصبر والمقاومة والصمود، وملجأ اليتامى والفقراء والبؤساء. هو المحبوب الذي يحلّ الأمان حيثما حلّ، ولا يخلو حضوره من مزيج المعرفة والحكمة. هو الذي قدّم نفسه جندياً من جنود محمد صلى الله عليه وآله وضحّى من أجل الإسلام حتى آخر لحظة من حياته فكان مظهر تجلي الصفات الإلهية.

    أتى شخصٌ إسمه ضرار الشام ودخل على معاوية فطلب منه معاوية أن يروي له حالات عليّ عليه السلام فقال: « لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِى بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَ قَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ وَ هُوَ قَائِمٌ فِى مِحْرَابِهِ قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ وَ يَبْكِى بُكَاءَ الْحَزِينِ وَ يَقُولُ يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّى أَ بِى تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ لَا حَانَ حِينُكِ هَيْهَاتَ غُرِّى غَيْرِى لَا حَاجَةَ لِى فِيكِ قَدْ طَلَّقْتُكِ َثلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ وَ خَطَرُكِ يَسِيرٌ وَ أَمَلُكِ حَقِيرٌ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَ طُولِ الطَّرِيقِ وَ بُعْدِ السَّفَرِ وَ عَظِيمِ الْمَوْرِدِ»[1]

    ويقول علي عليه السلام: «اِلهى ما عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ عِقابِكَ وَ لاطَمَعاً فى جَنَّتِكَ وَ لكِنْ وَجَدْتُكَ اَهْلاً لِلْعِبادَةِ فَعَبَدْتُكَ» وهذه هي عبادة الأحرار لا العبيد ولا التجار. كانت عبادته عبادة شوق وحب لله تعالى، لكنه عرّف الناس أن بحر التوحيد عميق لا يناله غوص الغوّاصين: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَايَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ وَ لَايُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ وَ لَايُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِي لَايُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَايَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ». بلغ أعلى مراتب الإيمان فسكنته الطمأنينة والرضا والتسليم فكان مرتبطاً بالله القادر الحكيم في جميع حالاته وكان ولياً لله «إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».  كان الإمام علي عليه السلام كريماً بكل معنى الكلمة بحيث شهد له أعداؤه بذلك حتى قال معاوية: «لو مَلَکَ بَيتاً مِن تِبرٍ وَ بَيتاً مِن تِبنٍ لَأنفَدَ تِبرُهُ قَبلَ تِبنِهِ[2].

    هذه الشخصية الإلهية الموحّدة الكريمة، هي نفسها التي تصبح حساسة جداً عندما يكون الأمر مرتبطاً ببيت المال. وعندما يأتيه أخوه عقيل يطلب حصة أكبر من حقه من بيت المال يروي لنا ماذا فعل حيث يقول عليه السلام: فأحميت له حديدة ، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها و كاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له : ثكلتك الثّواكل يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، و تجرّني إلى نار سجرها جبّارها لغضبه ؟ أتئنّ من الأذى و لا أئنّ من لظى؟

    كانت هذه الشخصية الإلهية حريصة جداً فيما يتعلق ببيت المال دفعاً لأي مشكلة في الحكم، ومع أنه كان مستعداً لتقديم كل ما لديه من أموال شخصيّة للفقراء إلا أنه لم يكن ليخطر بباله أن يفرّط بذرّة في الأمانة التي اؤتمن عليها و من الصعب جداً أن تجتمع هذه الصفات في إنسان واحد، أن يكون كريماً وأميناً ودقيقاً، أن يكون شجاعاً وعارفاً وحنوناً وعابداً عاشقاً. لم يسمح الإمام عليه السلام أن تغرّه الدنيا وهو القائل: «وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ»[3]

    إن بلوغ أعلى مراتب الإيمان يجعل الإنسان يطبّق المهمة الموكلة إليه على أكمل وجه ممكن، سواء كانت مهمة شخصية أم عبادية أم إجتماعية، وإذا ما أسند إليه قيادة المجتمع المسلم فسيكون محوراً للحق و لذا لا بد للحكام اليوم أن يقتدوا بعليٍ عليه السلام، لا من حيث حياته الشخصية ورياضته الصعبة لنفسه، فهذا من الصعب جداً أن يناله أحد، بل من حيث رحمته للمستضعفين والمحتاجين وقيامه بالعدل. هذا ما يحتاجه الناس، أن يذوقوا طعم العدالة العلوية ولو قليلاً.

    علي عليه السلام قدوة البشر في كل مجالات الحياة. هو العارف الفاني في جمال الحق وجلاله، هو العابد الناسك الغارق في العبادة. هو المتكلّم المفوّه والحكيم المتأله. هو الفقيه النحرير والأديب البليغ الفصيح. هو المصلح والأسوة الأخلاقية الذي تزيّن بالفضائل وأدى دوره كقائد عادل بذل ما بوسعه لإرساء الأمن والعدل في المجتمع. لا شك أن من جعل علياً عليه السلام قدوته سيصل إلى ساحل النجاة وسيعرف معنى الحياة الحقيقية.

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين



    [1] . نهج البلاغه، ترجمه شریف الرضی، ص 480 ـ 481.

    [2] . ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 22.

    [3] . نهج البلاغه، سید رضی، خطبه 224، ص 347.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :