facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 194500
    تاريخ نشره : 7/13/2018 5:08:00 AM

    دروس من القرآن الكريم (الغفلة 1)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: دروس من القرآن الكريم 20 (الغفلة 1)

    من المواضيع المهمة التي تناولها القرآن الكريم بمختلف أبعادها، موضوع الغفلة. وهي كلمة ذات مفهوم واسع يعبّر عن الجهل بأمرٍ ما أو عدم الإلتفات له في أي زمان ومكان؛ و تعدّ الغفلة عن النفس والمجتمع أو الله والواجبات الدينية من المصاديق الواضحة لهذا المفهوم.

    من الواضح أن الغفلة في بعض الحالات تستتبع خطراً و تهديداً جديّاً، كالغفلة عن مقام الإنسان الشامخ، وهو ما يؤدي إلى الإنحراف والضلال وهدر قدرات الإنسان ونزعاته وحرفه عن مسار الحياة الصحيح. يقول الله تعالى في الآية 179 من سورة الأعراف: «وَ لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ» حيث تشير هذه الآية إلى أحد تعاريف الغفلة، وهي عدم استثمار الإنسان لما وهبه الله إياه من عقل وقلب وعين وأذن في الوعي والفهم والسمع والبصر وهذا من أعظم أنواع الغفلة، وهكذا يخسر الإنسان إمكاناته باستخدامها في غير ما صنعت له ليقع ضحيّة الإفراط أو التفريط.

    فالغفلة إذن بأحد معانيها جهلٌ يطرأ على الإنسان ويحول دون استفادته من المواهب الإلهية وهي غفلة تقوده إلى جهنم وعند فقدانه لسمعه وإبصاره وفهمه يهبط إلى مرحلة الأنعام. هذا طبعاً باختيار الإنسان، الذي يذل نفسه ويوصلها إلى هذا الوضع، وعندما يقترب موعد يوم القيامة تراه يصرخ متألماً يا ويلنا: «وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ»[1]. يقول الراغب الإصفهاني في تعريفه للغفلة: "سهو يعتري الإنسان من قلة التحفّظ والتيقّظ" ولذا يقول القرآن الكريم: «لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ»[2] «وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ»[3] «وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ»[4]

    كما يرى أن الغفلة أحد وجوه الكفر و لهذا فسّر هذه الآية «مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا» على هذا النحو: "أي تركناه غير مكتوب فيه الإيمان و قيل معناه من جعلناه غافلاً عن الحقائق". ولا شك أن الإنسان عندما يبتعد عن الحقائق سيمتلأ بما هو ضدها أي الأوهام والأباطيل.

    اتضح حتى الأن أن للغفلة معانٍ كثيرة و مفهوم  واسع، وهذا مشهود من بعض التعريفات، فمنها:

    أن الغفلة هي اتباع رغبات النفس، والمقصود بالنفس هنا الغرائز والشهوات، وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إطفاء نور القوة العاقلة التي أودعها الله عز وجل وجود الإنسان رحمةً له.وفي تعريف آخر أن الغفلة هي تضييع الوقت في البطالة، بمعنى انشغال الإنسان بأمور ليست من شأنه كاللهو واللعب، فيصرف وقته في طريق الباطل ولا يعمل على تقوية عقله وتحقيق التوازن في حياته. كذلك عرّفوا الغفلة بأنها الإهمال، وهو نسيان النعم وإتلافها. قال أحد الحكماء المعروف ببابا طاهر الذي قال "أول الغفلة الحرمان"، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة من أن الإنسان يمتلك القلب والعين والأذن لكنه يحرم نفسه من العلم والسمع والبصر.

                                                                                والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين



    [1] . انبیاء، 97.

    [2] . ق، 22.

    [3] . احقاف، 5.

    [4] . کهف، 28.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :