facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 194805
    تاريخ نشره : 8/3/2018 4:44:00 PM

    دروس من القرآن الكريم 23 (الغفلة 4)

    خطبة الجمعة لآية الله الشيخ رمضاني مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: دروس من القرآن الكريم 23 (الغفلة 4)

    من الضروريّ أن يتعرّف الإنسان على عوامل ظهور الصفات المذمومة فيه وعلى عواقب وجودها، ولا شكّ أن معالجة أي صفة مذمومة تستدعي سلوك طريقين أحدهما علمي والثاني عملي. فالطريق العلمي هو معرفة النتائج السلبية للصفة المذمومة في الدنيا والآخرة، وهي تشمل البعد الفردي والإجتماعي والجسديّ والروحيّ. وتشير الآيات القرآنية إلى أن الغفلة تؤدي بالإنسان إلى الشرك والنفاق والكفر وقد تستتبع العذاب الشديد في الآخرة. عندما يقع الإنسان ضحية الغفلة سيرتكب المعاصي، وإذا فقد توفيق التوبة سيتعرض في الآخرة للعذاب، فالعودة إلى الله هي السبيل الوحيد للخلاص. فلا بد إذن من التعرف على العواقب الفردية والإجتماعية للغفلة وهذا ما يحفّز الإنسان من الناحية العلمية على تجنّب الوقوع في الغفلة. نشير في هذه الخطبة باختصار إلى عوامل الغفلة وعواقبها وعلاماتها.

    عوامل الغفلة

    هناك أسباب كثيرة للوقوع في الغفلة أهمّها الجهل. الجهل بمقام الرب الخالق العظيم، نسيان يوم القيامة، الجهل بتفاهة مال الدنيا وجاهها، الجهل بوسواس الشياطين... هذه من أهم عوامل الغفلة وقد يقود الجهل بأحد هذه الأمور الإنسان إلى ورطة الغفلة وتحمّل عواقبها المشؤومة. يقول الإمام علي عليه السلام: «إنَّ مَنْ عَرَفَ الایّامَ لم یُغْفَلْ عن الاستعداد»[1]. من عوامل الغفلة كذلك الغرور، فالمعجبون بأنفسهم وممتلكاتهم مثلاً الذين يقدّمون إنجازاً في مجالٍ ما ويتصوّرون أنّ الفضل في كل ما يحقّقونه يعود إليهم فقط... هؤلاء أيضاً من الغافلين الذين قد يتعرضون للعذاب الدنيوي قبل الأخروي. كذلك قد يؤدي الغرور في كثير من الأحيان إلى تلقي ضربات العدو وتذوق طعم الهزيمة.

    من أسباب الغفلة أيضاً الغرق في النعم الإلهية. عندما يحصل ضعاف النفوس على النعيم والدلال يشعرون بحالة من السّكر، وهذا ما يجعلهم يغفلون عن الواقع المحيط بهم، وتستمر غفلتهم هذا حتى الموت، الذي يوقظهم و يلفت نظرهم لما خسروه، ولهذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «من غفل عن حوادث الایام ایقظه الحمام» [2] كذلك من عوامل الغفلة طول الأمل والأماني الكاذبة التي تشغل الإنسان عن سائر شؤونه دون طائل، ولذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

     

     

    «و اعلموا عباد الله أن الأمل یذهب العقل و یکذب الوعد ویحث علی الغفلة و یورث الحسرة»[3] كذلك هناك الكثير من الأمور التي نعايشها في الحياة والتي يمكن أن تكون سبباً لغفلتنا، ومنها طلب العافية الجسدية، وهذا ما يجعل المرض أحياناً علاجاً لحالة الغفلة.

    عواقب الغفلة

    من الواضح أن القلب القسيّ يمنع من إدراك الحكمة والمعرفة، ويحول دون التسليم لأوامر الله وطاعته  والعبودية له، ويقول الإمام الباقر في هذا المجال: « ایّاک و الغفلة ففیها تکون قساوة القلب»[4] فالغفلة إذن تميت القلب، وهذا يعني أن القسوة تصل إلى مرحلة تمنع تأثير المواعظ في القلوب. في هذه الحالة يُغلق باب العودة أمام الإنسان ولا يبقى له أمل بالسعادة. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «من غلبت علیه الغفلة مات قلبه»[5] وفي حديث آخر عنه عليه السلام أنه قال: «بینکم و بین الموعظة حجاب من الغفلة و الغرة»[6] من المهم أن نعرف أن الغفلة تفسد العمل، بل تُضعف توجه الإنسان نحو القيام بالأعمال الصالحة، وإذا قام بها تحدث مشكلة في الإخلاص وحضور القلب، لذا يقول أمير الؤمنين عليه السلام: «ایاک و الغفلة و الاغترار بالمهلة فان الغفلة تفسد الاعمال»[7].

    والغفلة تورث الهلكة في الدنيا والآخرة لأنها تجعل الإنسان جاهلاً عن مصلحته الدنيوية والأخروية، وهذا ما يضيّع على الإنسان الكثير من الفرص، ويهدر قدراته ولذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «من طالت غفلته تعجلت هلکته»[8].

    علامات الغفلة

    من علامات الغفلة معاشرة الفاسدين والمفسدين والإبتعاد عن المجالس المعنوية والعبادية حيث قال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: «الغفلة ترکک المسجد و طاعتک المفسد»[9]. كذلك من علامات الغفلة عدم الإهتمام بالإنذار، وهو ما يؤدي إلى تضييع العمر في ما لا ينفع، ويقول علي عليه السلام: «کفی بالرجل غفلة ان یضیع عمره فی ما لا ینجیه»[10] وفي رواية أخرى عنه عليه السلام أنه قال: «کفی بالمرء غفلة ان یصرف همته فی ما لایعنیه»[11]. وعندما سأل شمعون بن لاوي الرسول صلى الله عليه وآله عن علامات الغافلين قال صلى الله عليه وآله: «اما علامة الغافل فاربعة العمی والسهو واللهو والنسیان» [12]فالعمى هو عدم رؤية الحقائق. وعند سيطرة السهو واللهو والنسيان يستحكم الضياع في بحر الشهوات و يقل الإعتناء بالمصير المستقبلي.

    عندما نريد محاربة الغفلة يجب أن نذكر الله ونتفكّر وقد يتطلّب منّا الأمر الإنتقال من بيئتنا إلى بيئة أخرى، وعلينا أن نقيم الصلاة بقلب خاشع، وقد يكون مطلوباً منا قراءة التاريخ لنعتبر مما تعرّض له الغافلون.



    [1] . میزان الحکمة، ج 3، حدیث 15189، (باب الغفلة)

    [2] . تحف العقول، ص 311.

    [3] . بحارالانوار، ج 74، ص 293.

    [4] . بحارالانوار، ج 75، ص 164.

    [5] . شرح فارسی غرر الحکم، ج 5، ص 293.

    [6] . همان. ج 3، ص 268.

    [7] . همان، ج 2، ص 312.

    [8] . شرح فارسی غرر الحکم، ج 5، ص 272.

    [9] . بحارالانوار، ج 75، ص 115.

    [10] . شرح غررالحکم، ج 4، ص 585.

    [11] . همان ، ص 585.

    [12] . بحارالانوار، ج 1، ص 122.


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :