facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 196000
    تاريخ نشره : 10/23/2018 4:13:00 PM

    معرفة القرآن (4)

    معرفة القرآن (4)

    خطبة الجمعة لحجة الإسلام والمسلمين الدكتور الشيخ مفتح مدير وإمام المركز الإسلامي في هامبورغ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: معرفة القرآن (4)

    آيات القرآن وسوره، المكية والمدنية

    الآيات والسور المكية هي تلك التي نزلت على رسول الله (ص) قبل هجرة المسلمين إلى المدينة، حين كانت مكة المكرمة مكان تجمع المسلمين، وهذا يشمل الآيات التي نزلت خارج حدود مدينة مكة. أما الآيات والسور المدنية فهي تلك التي نزلت على الرسول (ص) بعد هجرة المسلمين إلى المدينة، عندما تحوّلت المدينة المنورة إلى أهم مكان لاجتماع المسلمين، وهذا يشمل الآيات التي نزلت خارج حدود المدينة الجغرافية.

    أما بالنسبة للسور القرآنية فقد نظّمت على ما هي عليه اليوم بأمر مباشر من رسول الله (ص) ولم يغيّر فيها أحد شيئاً، وذلك في فترة نزول الوحي عليه صلى الله عليه وآله. أما بالنسبة لحجم السور، فالسورة الأصغر هي الكوثر (ثلاث آيات)، والأكبر سورة البقرة (مئتان وستة و ثمانون آية). وكذلك الأمر بالنسبة لأسماء السور، حيث كان الرسول صاحب القرار في تحديد إسم السورة، التي غالباً كان لها إسم واحد، وإن حصل البعض على إسمين أو أكثر؛ وقد جاءت هذه التسميات لأقل مناسبة جرياً على عادة العرب.

    كانت تبدأ السورة بنزول البسملة "بسم الله الرحمن الرحيم" ثم تتوالى بعدها الآيات بالنزول وتُسجّل حسب ترتيبها إلى أن تنزل بسملة أخرى، لتبدأ معها سورة جديدة، وكان هذا الترتيب المعتاد للآيات، إلا أن الرسول كان أحياناً يأمر بوضع آية في مكان خاص من السورة خلافاً للمعتاد عندما يشير عليه جبرائيل بذلك، كما حدث عند نزول آية «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» التي قيل إنها أواخر ما نزل على الرسول، وقد أمر بإثباتها بين آيات الربا وآية الدين في سورة البقرة برقم مئتين وواحد وثمانين.

     وبناءً عليه يعدّ تسجيل الآيات على النحو الموجود اليوم أمراً توقيفياً، أي تحت الإشراف المباشر للرسول وبأمرٍ منه صلى الله عليه وآله، ويجب التسليم بهذا النص كما هو. وقد اختلف الباحثون بالنسبة لترتيب سور القرآن على ما هو عليه اليوم، ويرى السيد مرتضى علم الهدى وغيره كثير من الباحثين أن القرآن الموجود اليوم هو نفسه الذي كان على عهد رسول الله (ص) وترتيب السور الموجود جاء بأمر رسول الله (ص).

    جمع القرآن الكريم

    كان علي عليه السلام أول من اشتغل بعد وفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بجمع القرآن الكريم، وقد ذكرت الروايات أنه بقي في منزله ستة أشهر عاكفاً على هذا العمل: ما نزلت علی رسول اللَّه صلّی اللَّه عليه و آله و سلم آية من القرآن إلّا أقرأنيها عليّ فأکتبها بخطّي و علّمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و منسوخها و محکمها و متشابها و دعا اللَّه لی أن يعلمنی فهمها و حفظها، فلم أنس منه حرفا واحدا.

    الكثير من الصحابة كذلك كان لكل واحد منهم مصحفه الخاص، وبالتالي كان هناك العديد ممن جمعوا المصاحف ولم يكن بينهم أي تنسيق، ولم يكن أصحابها على مستوى واحد من الكفاءة، وعليه اختلفت المصاحف من ناحية الأسلوب والترتيب والقراءة....

    وقد أدى اختلاف المصاحف والقرءات إلى اختلاف الناس، وعندما كان يلتقي المسلمون من أهالي مختلف البلدان في حرب أو غيرها من المناسبات، كان يُدين بعضهم البعض الآخر وتقع بينهم صراعات أحياناً بسبب تعصب كل جماعة لمصحفها.

    عندما شارك حذيفة بن اليمان في حرب أرمينيا شهد نزاعاً بين المسلمين على مكانة مصاحفهم وصدقيّتها، وعاد من الحرب متأذياً من اختلاف الناس على القرآن فتشاور مع بعض صحابة رسول الله الذين كانوا في الكوفة من أجل التوصل إلى حل لهذه المشكلة قبل أن تسري إلى مناطق أخرى، وكان رأي حذيفة أن يُطلب من عثمان توحيد المصاحف وإلزام الناس بقراءة واحدة، وقد وافقه على هذا الرأي كل الصحابة ما خلا عبد الله بن مسعود، ولذلك توجّه حذيفة إلى المدينة بأقصى سرعة ممكنة لحضّ عثمان على تجنيب الأمة الإسلامية هذا التشتّت، فقال له "أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى، فسأله عثمان عن الأمر فقال إنه وجد أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل الشام الذين كانوا يقرؤون بقراءة أبي بن كعب وكل جماعة تكفّر الأخرى. فجمع عثمان صحابة الرسول الذين كانوا في المدينة واستشارهم في هذا الأمر فأشار عليه الجميع بضرورة القيام بهذا العمل مهما كلّف الأمر.

     بدأ عثمان بهذا العمل على وجه السرعة، فأطلق بدايةً بلاغاً عاماً يدعو فيه الصحابة لتقديم العون في هذا الأمر، ثم اختار أربعة من الخواص للتنفيذ لكن اللجنة الأولى عجزت عن القيام بالمهمة فاستعانوا بغيرهم ليصبح عددهم اثني عشر رجلاً، وكان رئيس اللجنة في هذه المرحلة أبي بن كعب الذي كان يملي آيات القرآن بينما يكتبها الآخرون.

    وكان الإمام علي عليه السلام موافقاً على هذا العمل، فقد روي عنه أنه قال: "والله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأٍ منّا. قال ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت". وقال عليه السلام أيضاً: "لو وليت في المصاحف ما ولي عثمان لفعلت كما فعل".

    وينقل أن شخصاً حضر عند الإمام الصادق عليه السلام وكان يقرأ القرآن بطريقة مختلفة فنهاه الإمام وقال له: "كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس". وعليه يجمع علماء المسلمين أن الموجود اليوم هو القرآن الكامل الذي لم يطَله التحريف، والقراءة الصحيحة هي تلك المنتشرة بين المسلمين والتي تصح بها الصلاة.

    والحمد لله رب العالمين

    اللهم أرزقنا توفيق الطاعة ، وبعد المعصية وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى والاستقامة ، وسدّد ألسنتنا بالصواب والحكمة ، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة ، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة ، وتفضّل على علمائنا بالزهد والنصيحة ، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة ، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة.

    وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين

     

     

     


    تعليق



    عرض غير العامة
    تصویر امنیتی :