facebook RSS ارسال به دوستان نسخه چاپی ذخیره خروجی متنیخروجی متنی خروجی PDF
    کد خبر : 263856
    تاریخ انتشار : 12/7/2019 3:15:00 PM

    أوصاف المتّقین (30)

    خطبة صلاة الجمعة لسماحة حجة الإسلام الدكتور مفتح

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع:  أوصاف المتّقین (30)

    العلامة الثانية للمتقین: الحزم مع اللين

    - "وَحَزْماً فِي لِینٍ".

       الحزم هو التفكر بعواقب الأمور, وهذا التفكر يحفظ الإنسان من الوقوع في الندم. فمن ينظر إلى عاقبة أي عمل يقوم به, ويأخذ قراره بعد التفكر والتأمل والاستعانة بأفكار الآخرين, ولا يُقدم على العمل من دون استشارة أصحاب النظر, فإنّه لن يصل به الحال إلى الندم أبدا, حتّى لو لم يُوفّق في عمله ولم يصل للنتيجة المطلوبة. لأنّ باله مطمئن من أنّه قد طوى جميع الطرق اللازمة كي يصل للقرار الصحيح.

       لقد أشار أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة إلى هذا المعنى وبيّن نتيجة الحزم, يقول:

    - "ثَمَرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ، وَ ثَمَرَةُ الْحَزْمِ السَّلَامَةُ"[1].

       إنّ أهمّ شيء يقف عائقاً في وجه الحزم هو الطمع الذي يصير حجاباً للعقل. ومن يُمنّي نفسه بأمرٍ ما لا يمكنه حسم أمره تجاهه بما يمليه عليه العقل. فالطمع بأيّ شيء يمنع الإنسان من أخذ القرار الحكيم مع الحزم والتفكير بعواقبه. يقول أمير المؤمنين (ع):

    - "أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ، تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ"[2].

       كما أنّ الطمع بالمنافع الصغيرة, من أجل المنافسة وتحصيل لذة زائلة و... تُعمي عيني الإنسان عن محاكمة الوقائع والنظر فهيا, بالإضافة إلى حرف الإنسان عن رؤية عواقب الأمور. هذا وعدم رؤية العواقب السيئة للأعمال سيوصل للندم والحسرة, وسيستوجب تعلّق الإنسان بالآمال البعيدة والطويلة, والانخداع من الأشخاص المتملقين, وفي الأخير صرف وقته وعمره بلا جدوى حيث لا يحصد في النهاية سوى الندم والتحسّر.

    المصداق القرآني للحزم

       من جملة الأمور التي قد أكدّ الله على الحزم والتفكّر بعواقبها في القرآن المعاملات بين الناس. فنشاهد في موارد عديدة أنّ الثقة العمياء بشخصٍ ما تذهب بحق أحد الأطراف, أو عند النزاع بين شريكين, أو صديقين. يقول القرآن الكريم فيما يتعلق بتبادل الأموال بعنوان قرض أو رهنٍ أو بيعٍ وشراء:

    - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[3].

       إنّ كل هذا التأكيد من القرآن الكريم على ضبط المعاملات بين الناس بدقة, ووجود شاهد عادل على ذلك و... كلّ ذلك من أجل إيجاد علاقات اجتماعية سليمة وصحيحة تحمل روح المودة في المجتمع الديني, مع أنّ نتيجة هكذا حزمٍ وجديّة في الأعمال والتعاطي مع الناس تشتمل على نحو سوء ظنٍ بالآخرين.

       بناء على ما تقدّم سيواجه الشخص الذي يريد أن يعمل بالحزم والتفكّر بعواقب الأمور سوء الظن من الآخرين تجاهه, فإذا كان الآخرون يولونه محبّتهم, فما هو منشأ احترامهم ومحبتهم هذه وأيّ نيّة ستستبع ذلك؟

       وعليه في هذه الحالة سيستوجب الحزم مع القسوة وعدم وجود العلاقة الطيبة مع الآخرين الأذى للناس, ونفس هذا الأمر دليل على عدم الحزم. بينما المتقون في كلام أمير المؤمنين (ع) هم الذين مزجوا الحزم باللين, ولم يسمحوا للحزم والجدية في أعمالهم أن تتسبّب بأذية الآخرين.

     والحمد لله ربّ العالمين



    [1]  نهج البلاغه، الحکمة 181.

    [2]  نهج البلاغه، الحکمة219.

    [3]  سورة البقرة: الآية ۲۸۲.


    نظر شما



    نمایش غیر عمومی
    تصویر امنیتی :