facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 87194
    تاريخ نشره : 11/13/2015 7:02:15 PM

    المعارف الإسلامیّة (161) الإسلام و حقوق الأخلاقی (6)


    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    11.11.2015


     


     بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    إنَّ موضوع كلامنا الیوم هو عن « حقّ الأذن » و « حق العین » علی الإنسان

    یذكر الإمام السجّاد (ع) في كتابه المشهور « رسالة الحقوق » أنَّ كلٌّ من الأعضاء السبعة للإنسان لها دورها المهمّ التي إمّا أن تؤدّي بالإنسان إلی السعادة أو الشقاوة وذلك وفقًا لكیفیّة الإستفادة من هذه النِّعَم العظیمة. فیجب علی الأشخاص الذین یسعون للتكامُل الروحيّ و المعنويّ أن یكونوا علی وعيٍ في إهتمامهم بهذه الحقوق و یجب أن لا یمرُّوا علیها مرّ السحاب بسهولة و من دون إعتناء، إذ أنَّها هي الوسائل للورود إلی قلب الإنسان و روحه و یجب أن لا یَرِد كلّ أمرٍ علی نفسیّة الإنسان و قلبه، إذ أنَّ هذه العطایا تخرج من القلوب كما وردت إلیها. 

    و لذلك قال الإمام السجّاد (ع) فیما یخصُّ حق السمع: « وَ أَمَّا حَقُ‏ السَّمْعِ‏ فَتَنزِيهُهُ عَنْ أَنْ تَجْعَلَهُ طَرِيقاً إِلَى قَلبِكَ إِلَّا لِفُوَّهَةٍ كَرِيمَةٍ تُحْدِثُ فِي قَلبِكَ خَيْراً أَوْ تَكسِبُ خُلُقاً كَرِيماً فَإِنَّهُ بَابُ الكَلَامِ إِلَى القَلبِ يُؤَدِّي إِلَيْهِ ضُرُوبُ المَعَانِي عَلَى مَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه‏ » ([1])

    فما لا شك فیه هو أنَّ السمع باب ورود الكثیر من المسائل إلی قلب الإنسان و لذلك یجب أن یكون الإنسان دائمًا علی حذر و لذلك حین جاء شخصٌ إلی أمیر المؤمنین(ع) و سأله لیهدیه، أجابه (ع) قائلاً:  « أَيُّهَا السَّائِلُ اسْتَمِعْ ثُمَّ اسْتَفهِمْ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ ثُمَّ اسْتَعْمِل. » ([2])

    إنَّ أهمّیّة السمع لدرجة عظیمة بحیث أنّنا نری ذكرها في العدید من الآیات في القرآن الكریم فیها حتی بیان أولویّة أهمّیّتها علی البصر و القلب  و منها ما جاء في قوله تعالی: 1ـ « قُل مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الأَبْصارَ» ([3])

    « إِنَّ السَّمْعَ وَ البَصَرَ وَ الفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنهُ مَسْؤُلا » ([4])

    كما و هنالك الآیات الأخری التي فیها بیان ما یخصُّ  ذلك و منها.([5]) و لربّما یكون أسبقیّة السمع علی سائر الأعضاء هو أنَّ البصر محدودٌ نحو ما هو أمام الإنسان و لكنّ السمع یدرك الأصوات من كلّ الجهات و لذلك فإنَّ مجال السمع أوسع من البصر و حتی في تزكیة النفس و إدراك ما هو أحسن في السلوك و الأعمال كما نری بیان ذلك في ما قاله الإمام السجّاد (ع) فیما یخصُّ الأذُن : « فَإِنَّهُ بَابُ الكَلَامِ إِلَى القَلبِ ».

    إنَّ كلمة السمع لها عدّة معاني في القرآن الكریم و هو أنَّ « السمع »  تعبیر مفرد و یكون أحیانًا تعبیر بالمعنی المصدريّ الذي  یكمن فیه التعبیر عن الجمع و عن المفرد و لا حاجة لتصریفه. و ما لا شك فیه هو أنَّ الكثیر من التعابیر تكون بصورة مفردة أو بصورة جمع مثل تعبیر القلوب و الأبصار و لكن السمع هو بصورة مفردة دائمًا. و بصورة إجمالیّة یجب علی الإنسان أن یكون علی وعيٍ و حذر لیتجنّب الإستماع إلی الحرام و الهباء و الهذر كما نری بیان ذلك في قول أمیر المؤمنین و سیّد العارفین عليّ (ع) حین قال « وَقفوا أسماعِهِم على العِلم النافِع لهُم »


    حق العین

    إنّنا نری في بیان الأمام السجّاد (ع) بیان حقّ العین من بعد بیان حقّ الأذُن في قوله (ع) : « وَ أَمَّا حَقُّ‏ بَصَرِكَ‏ فَغَضُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ وَ تَرْكُ ابْتِذَالِهِ إِلَّا لِمَوْضِعِ عِبْرَةٍ تَسْتَقبِلُ بِهَا بَصَراً أَوْ تَسْتَفِيدُ بِهَا عِلماً فَإِنَّ البَصَرَ بَابُ الِاعْتِبَار.» ([6])

    إنَّ الله تبارك وتعالی یُبَیِّن لنا عظمة نعمة العَین في سورة البلد في قوله تعالی: «أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْن‏»)[7] ( إنَّ أهمّیّة هذه النعمة هي لأنّها الوسیلة لأكثر الإرتباطات و إدراك ما یدور حول الإنسان و لكن و مع الأسف الشدید لا یستید بعض الناس من هذه النعمة العظیمة حقّ الإستفادة كما نری بیان ذلك أیضًا في القرآن في قوله تعالی: «وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لايُبْصِرُونَ بِها» ([8])  

    و لذلك حین یستفید الإنسان من كلّ هذه النِّعَم بصورة صحیحة في السلوك العملیّة لتزكیة النفس سوف یتمتّع بأحسن النتائج كما نری بیان ذلك في قول الرسول الأكرم المصطفی الأمجد أبوا القاسم محمّد(ص) «یا إبن آدم إن نازَعَك‏ لسانك‏ فيما حُرِّمَت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق و إن نازعك بصرك إلى بعض ما حُرِّمَت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق» ([9]) أي حین یرید اللسان أن ینطق بما هو لیس حقٌّ فأطبق الشفتین علیه لأداء السكوت و إن إنحرفت العیون بك إلی ما هو حرامٌ فإغلق الجفون علیها للتعفُّف.

    فیجب علی الإنسان أن یراقب الكثیر من الأمور و منها مراقبة الأطعمة و الأغذیة التي یرید أن یتمتّع بأكلها لیتأكد من أنّها حلالٌ طیِّبة ، كما نری التأكید علی ذلك في سورة عبس في قوله تعالی: «فَليَنظُرِالإِنسانُ إِلى‏ طَعامِه»([10]) و ما لا شك فیه هو أنَّ النظر إلی الطعام یجب أن لایكون مجرّد نظرة ظاهریّة  للتلذُّد فقط، بل و یجب علینا أن نأخذ معلوماتنا ممّن هُم أهلاً للثقة و الإطمئنان كما یبیِّن ذلك الإمام الباقر (ع) في خطابه قائلاً : «عِلمُهُ‏ الَّذِي‏ يَأْخُذُهُ‏ عَمَّنْ يَأْخُذُه‏».([11])

    إنَّ الله تبارك و تعالی یدعونا في الكثیر من الموارد للتمعُّن في قدرته و جمیل مخلوقاته ولمختلف المواضیع و منها ما جاء في قوله تعالی: «فَانظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبين» ([12]) و في آیة أخری جاء في قوله تعالی: « قُل سيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلق» ([13]) و لذلك فإنَّ من جملة الأمور التي یجب العمل بها هي النظرة التي نأخذ منها العِبَر كما و یجب علی کلّ إنسان أن ینظر بوعيٍ إلی كلّ ما یكون حوله لیأخذ العِبَر كما نری التأكید علی ذلك في قول الأمام عليّ أمیر المؤمنین (ع) « مَا أَكثَرَ العِبَرَ وَ أَقَلَّ‏ الِاعْتِبَار ».([14]) و جاء في روایة أنَّ أمیرالمؤمین(ع) مرّ علی مدائن و رأی بنایة كسری و ذكر عندئذٍ أحد أصحابه بیت الشعر الذي ألّفه یحیی إبن هیز و هو : « جرت الریاح علی رسوم دیارهم  ــ  فلا نعم كانوا علی میعاد ». ([15])

    كانت الریاح تجری علی دیارهم و لم یبق منها سوی أصوات الریاح و لم یبقی أيٌّ منهم هناك و كأنّهُم قد ذهبوا إلی مواعید كانوا قد دُعوا إلیها.

    و قال له أمیرالمؤمنین (ع) عندئذٍ لِمَ لَم تتلوا الآیة التي هيَ في قوله تعالی: « كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29)»([16]) إنَّ هذه الآیات هي التي كانت موجّهة إلی فرعون و قومه من بعد أن قاموا بالظلم و الجور علی الآخرین و  فقدوا حكومتهم و أراضیهم وعندئذٍ وقعت في أیدي بني إسرائیل من بعد أن غرق قوم فرعون بأجمعهم و ما كان هنالك أيِّةِ وسیلةٍ لنجاتهم. فمن الواضح أنَّ النظرة إلی هذه الحوادث و التمعُّن فیها مفیدٌ لأخذ العبرة منها لكلِّ إنسان لكي یتقدّم في طریق الرشد و النموّ الأخلاقيّ.

    فعلی أي حال یجب أن نستفید من النِّعَم الإلهیّة بخیر ما في وسعنا شاكرین حامدین له تبارك و تعالی و أن نغضَّ أبصارنا عن الحرام كما نری التأكید علی ذلك في قول أمیر المؤمنین عليّ (ع) «غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ‏ عَمَّا حَرَّمَ‏ اللَّهُ‏ عَلَيْهِم‏». ([17]) 

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                 والسلام علیكم و رحمة الله و بركاته 

      



    [1]  .  إبن شعبة الحرانى، حسن بن علي، تُحَف العُقول، ص257، قم، جامعة المدرسين، الطبعة الثانیة ، 1404ق.

    [2]  . كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص456، ح13، تهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة ، 1407ق.

    [3]  . سورة یونس :31.

    [4]  . سورة الإسراء 36.

    [5]  . سورة النحل/ 78 ؛ سورة المؤمنون/ 78 ؛ سورة البقره/ 7 ؛ سورة فُصِّلَت/ 20.

    [6] . إبن شعبة الحراني، تحف العقول، ص257.

    [7]  . سورة البلد/8.

    [8] . سورة الأعراف/179. 

    [9]  . الطبرسى، فضل بن حسن‏، مجمع البيان في تفسير القرآن‏، ج10، ص748، تحقیق فضل‏الله‏ اليزدى الطباطبائى، طهران، شارع ناصر خسرو، الطبعة الثالثة، 1372ش.

    10 . عبس/24.

    11. الكلینی، نفس المصدر، ج1، ص50، ح8.

    12   آل عمران/137.

    13    . العنكبوت/20.

    14  نهج البلاغة، حكمة/297.

     15 الكراجكى، محمد بن علي، كنز الفوائد، ج1، ص315، قم، دارالذخائر، الطبعة الأولی، 1410ق.

     16 سورة الدخان/25ـ29.

     17 نهج البلاغة، خطبة/193.



    تعليق



    عرض غير العامة