facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 87715
    تاريخ نشره : 11/20/2015 5:44:26 PM

    المعارف الإسلامیّة (162) الإسلام و حقوق الأخلاقی (7)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    20.11.2015


    بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

    هنالك الكثیر من البحوث التي تدور حول أعضاء جسم الإنسان و من مُختلف وجهات النظر. ومنها هو كیف یستطیع الإنسان أن یستفید من أعضاء جسمه في مسیره نحو الرُّشد و التكامل؟ إذ أنّنا نری في معارف القرآن الكریم هو أن لو إسستفاد الإنسان من أعضاء جسمه بوعي و إنتباه، فسوف یری أنّها نِعَمٌ عظیمة و في غیر تلك النظرة و عدم الإستفادة الصحیحة منها، فسوف تتسبّب المشاكل للإنسان. و لكن لو إن كانت نظرتنا إلی هذه الأعضاء نظرة سطحیّة و من دون أهمّیّة خاصّة، فلا نعرف قدر العافیة إلّا حین تحصل لنا حادثة و لم نعُد نستطع الإستفادة منها كما كان و سوف نعرف قدرها من بعد فقدانها و العیاذ بالله! و من جهة أخری لا تكون نظرتنا عادةً إلی هذه الأعضاء نظرة أنّها عوامل السعادة في الحیاة. و هنالك نظرة في رسالة الحقوق للإمام السجّاد (ع) یُبَيِّن فیها الحقوق الأخلاقیّة التي تخصُّ كلٌّ من هذه الأعضاء بالتفصیل و أهمّیّة وجوب مُراعاتها علی الإنسان أن. و ما لا شك فیه هو أنّه (ع) یشرح في رسالته الأمور التي تخصُّ كلٌّ من هذه الأعضاء و بناءًا علیها یمكن أن تُفتَح أبواب وسیعة في مستویات معارف كلٌّ منها.   

    حق الرِّجِلین علی الإنسان:

    وما یخصُّ حقّ الرجلین فقد ذكر الإمام السجّاد (ع) قائلاً: « وَ أَمَّا حَقُّ رِجْلَيْكَ فَأَنْ لَاتَمْشِيَ بِهِمَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ وَ لَاتَجْعَلَهُمَا مَطِيَّتَكَ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَخِفَّةِ بِأَهْلِهَا فِيهَا فَإِنَّهَا حَامِلَتُكَ وَ سَالِكَةٌ بِكَ مَسْلَكَ الدِّينِ وَ السَّبْقِ لَكَ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه » ([1])

    كما و إنّنا نستنتج من الآیات الأخری و الروایات أنَّهُ یجب علی الإنسان أن یعتني بكلّ عضوٍ من أعضاء جسمه و یسعی للتوصُّل به إلی أعلی ما یمكن من درجات الكمال و تربیتها و توجیهها إلی الجهات الصحیحة. و لیست الأرجُل ما تُستثنی من هذه الأصول و المقصود هو أنَّ علی الإنسان أن یمشي بالتواضع و أن یتجنّب التكبُّر في المشي علی الأقدام. كما نری بیان ذلك في القرآن الكریم في قوله تعالی: « وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَی الْأَرْضِ هَوْناً » ([2])

    و في آیة أخری: « وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً » ([3])

    إنَّ أكثر الأعضاء التي یظهر فیها الكِبَر و الکبریاء هي الأقدام و لذلك فإنَّ من الأصول الأخلاقیّة التي هي «حقّ الأرجل» علی الإنسان، لحمایتها و لذلك فعلی الإنسان أن یراعیها و یحفظ رجلَیه و أن یؤدّي واجباته تجاهها. و هنالك روایة عن الرسول الأكرم (ص) أنّه كان یمرُّ في طریق و رأی جمعٌ من الناس و سألهم عن سبب إجتماعهم. فقالوا له(ص) أنَّ هنالك مجنونٌ یلفت أنظار الناس بأعماله الهزلیّة و یُضَحِّكهُم. فناداهم الرسول(ص) و قال لهُم أتریدون أن أعرِّفكم بالمجنون الحقیقيّ؟ فسكت الجمیع و توجُّهوا إلیه(ص) بكلّ وجودِهِم، فقال حینئذٍ: « الْمُتَبَخْتِرُ فِي‏ مَشْيِهِ‏ النَّاظِرُ فِي عِطْفَيْهِ الْمُحَرِّكُ جَنْبَيْهِ بِمَنْكِبَيْهِ يَتَمَنَّی عَلَی اللَّهِ جَنَّتَهُ وَ هُوَ يَعْصِيهِ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ وَ لَا يُرْجَی خَيْرُهُ فَذَلِكَ الْمَجْنُونُ وَ هَذَا الْمُبْتَلَی » ([4]) و نظیر ذلك أیضًا ما نراه في ما جاء عن وصیّة لقمان (ع) لإبنه في القرآن الکریم حین قال له: « وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُور » ([5]) فبناءً علی ما نراه فی الروایات المذكورة نستنتج منها أنَّ الأقدام هي من النِّعَم الإلهیّة التي یجب أن نستفید منها حقّ الإستفادة و أن لا ننحرف بها إلی ما یضرُّنا، كما یوصینا الإمام السجّاد (ع) في قوله ما محتواه هو « أنَّ حقّ الرِّجلین علی الإنسان هو وضعها و تحریكها في المكان الذي هو حلالٌ و أن لا نسیر بها في مسیر الحرام و أن لا نسیر بها إلی المسیر الذي یؤدّي بالإنسان إلی الذلّة.

    فعلی أيّ حالٍ إنَّ الحقیقة هي أنَّ الأرجُل هي التي تحمل الإنسان و لكن التصرُّف بها و الإستفادة منها هو في إختیارنا و لذلك فعلینا أن نؤدّي حقّها بالمسیر بها نحو الحقّ و الأمور الدینیّة و من الواضح هو أنَّ كلّ القوی التي فیها هي من فضل الله تبارك و تعالی فلنسیر بها نحو الهدایة التي نراها منه جلّ و علا شاكرین حامدین له علی كلّ النِّعَم.

    و هذه الأرجل هي من النِّعَم التي تفضّل الله تبارك و تعالی بها علینا و لكنّها أیضًا من الأعضاء التي تشهد علینا یوم القیامة لما قمنا به سائرین علیها خطوة بعد خطوة، فلنكن علی وعيٍ و حذر حین أنّنا نری ما جاء في الآیة الشریفة التي نصُّها في قوله تعالی: « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلی‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْديهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون. » ([6]) وكذلك الأمر هو ما جاء في الایة 24 من سورة النور في قوله تعالی : «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْديهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ».

    و بالنظر إلی هذه البیانات یتّضح لنا أنّه یجب علی الإنسان أن یستفید بأحسن ما في وسعه من جمیع أعضاء الجسم لیسیر بها في سبیل الحقّ و طاعته جلّ و علا. فعلیه أن یمشي بتواضُع في المسیر متوسِّمًا بالدین الإلهيّ بعزم و صبر و نحو قضاء حاجات المحتاجین، إذ أنَّ الجزاء لهذه الأعمال سوف یكون كبیرًا جدًّا

    كما نری بیان ذلك في ما قاله الإمام الصادق (ع) :« مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمْشِي لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ‏ فِي حَاجَةٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً وَ حَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَ رَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَة » ([7]) و في روایة أخری جاء فیها خطاب الإمام السجّاد (ع) للإنسان فیما یخصُّ قدمیه قال فیها « فَبِهِمَا تَقِفُ عَلَی الصِّرَاطِ ، فَانْظُرْ أَنْ لَا تَزِلَّا بِكَ فَتَرَدَّی فِي النَّار» ([8])

    فالأمر المهمّ إذن هو تربیة الإنسان لأعضائه و وجوب أن لا یستخفّ الإنسان بها طوال حیاته، إذ لو إن تصرّف الإنسان بصورة صحیحة مع أعضائه فسوف یكون ذلك دلیلًا علی كماله و حسن تصرُّفاته الأخلاقیّة.

    نرجو الله تبارك و تعالی أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق لفهم المعارف الدینیّة الإسلامیّة ونسأله جلَّ وعلا أن یُوَفِّقنا للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نكون خَلوقین محسنین تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من الهُدی وأن نهتمّ بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                 والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته 



    [1]. إبن شعبة الحرّانى، حسن بن علي، تُحَفِ العُقول، ص257، قم، جامعة المُدرِّسين، الطبعة الثانیة، 1363ق.

     سورة الفرقان الأیة63. .2

    3 . سورة الإسراء الآیة 37.

    4. المجلسی، محمد باقر، بحار الأنوار، ج70، ص233، ح32 نقلا عن الخصال، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانیة، 1403ق.

    5 . سورة لقمان الآیة 18.

    6. سورة یس الآیة 65.

    7. كلينی، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص197، ح 5، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407ق.

    8. ابن بابویه، محمد بن علی، من لایحضره الفقیه، ج2، ص619، ح3214، قم، مكتب الإنتشارات الإسلامیّة، الطبعة الثانیة، 1413ق.


    تعليق



    عرض غير العامة