facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 97866
    تاريخ نشره : 5/7/2016 2:32:49 PM

    المعارف الإسلامیّة (176) الإسلام و حقوق الأخلاقی (21)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    التاریخ: 29.04.2016



                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    "حق طالب العلم" موضوعٌ أخلاقيٌّ وتَرْبَوِيٌّ آخر طرحه الإمام زين العابدين(ع) في الحقوق. و الإسلام كثيراً ما شَدَّدَ على أهمية تحصيل العلم، فالجهل سببٌ رئيسيٌ في كل مصائب البشر، وفي الكثير من العداوات، والإنحرافات في العلاقات و الحلُّ يَكْمُنُ في طلب العلم، ليعرف كل شخصٍ مسؤوليّاتِه. هناك آداب لابدّ من مراعاتِها في مسيرة طلب العلم، ومن أجل ذلك تَعَرَّضَ الإمام زين العابدين(ع) في كلامه لحق الطالب، فقال: «وَ أَمَّا حَقُ‏ رَعِيَّتِكَ‏ بِالْعِلْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَكَ لَهُمْ‏  فِيمَا آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ وَ وَلَّاكَ مِنْ خِزَانَةِ الْحِكْمَةِ فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِيمَا وَلَّاكَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَ قُمْتَ بِهِ لَهُمْ مَقَامَ الْخَازِنِ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ لِمَوْلَاهُ فِي عَبِيدِهِ الصَّابِرِ الْمُحْتَسِبِ الَّذِي إِذَا رَأَى ذَا حَاجَةٍ أَخْرَجَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ كُنْتَ رَاشِداً وَ كُنْتَ لِذَلِكَ آمِلًا مُعْتَقِداً وَ إِلَّا كُنْتَ‏ لَهُ خَائِناً وَ لِخَلْقِهِ ظَالِماً وَ لِسَلَبِهِ وَ عِزِّهِ مُتَعَرِّضا»[1]

    التأمّل في هذه العبارات يُخبِرُنا أن المعلّم يستطيع أن يؤدّي دوراً مصيريّاً في حياة الطالب، فيعلّمه الآداب والأخلاق الحسنة تدريجيّاً، ويُطْلِعَهُ على مختلفِ المواضيع، والعالِمُ الذي يرعي هذه الإرشاداتِ هادٍ مهتدٍ، ويخدم مجتمعه بدافع الإيمان. ومن الضروريّ أن يبيّن المعلّم للطالب منزلة العلم وأهميته، وأن يقدّمَ له القُدْوَةَ التي يرتضيها لنفسه، لِيَتَسَنَّى بذلك للطالب أن يتزيّن بالفضائل ويتخَلّص من الرذائل.

    يجب أن يترك المعلّم التفاخر على طلّابه بما أُوتِيَ من علم، وأن لا يسمح للعُجب والتكبّر بأن يجد طريقاً إليه، لما لذلك من تأثيرٍ سلبيٍّ على هؤلاء الطلاب. كما يجب أن يمارس الأستاذُ نوعاً من الأبوّة تجاه طلّابه، فيؤدي دوره التربويّ معهم، كَأَنْ يُحَاوِلَ كسب محبتهم مثلاً، ويَعُودُهُم في مرضهم، ويسعى في قضاء حوائجهم.

    تَرَفُّعُ المُعلّمِ عن الرذائل الأخلاقية

    يشيرُ إمامنا زين العابدين(ع) إلى أن منزلة المعلّم على رِفْعَتها، نعمةٌ من الله تعالى، إذ ليس لدينا إنسانٌ عالمٌ من ذاته، بل هي قدرة أعطاه الله إياها؛ فإذا عرف العالم ذلك لن يُصِيبَه الغرور ولن يتفاخر. العالم في الواقع هو أمين صندوق الآخرين، وعليه أن يُوَزِّعَ ما لديه بمحبة ورحمة، وأن لا يبخل بعلمه، فزكاة العلم على كل حال هي نَشرُه بطريقة صحيحة، فلا يَظُنَّنَّ العالم أنه يخسر شيئاً من علمه بالتعليم، بل هذا سيعود عليه بالنفع. أمّا إذا حَبَسَ علمه، فسيكون هذا خيانة للأمانة إذ لم يُؤدِّها إلى أصحابها، وسيحاسب يوم القيامة.

    التعليم مهنة الأنبياء

    إختيار الأسلوب الصحيح في التعليم يعطي المعلّم النتيجة المرجوّة في المجتمع، والمعلّم عظيم الشأن، و لَقَبَهُ "وارث الأنبياء"، لكن هذا مشروط بالعَمَلِ بما لديه من علم، والله عز وجل يحذّر من الوقوع في هذا الفخ فيقول: «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم‏».[2] فلا يَبْخَلَنَّ المعلّم بعلمه متى ما عَثَرَ على قلب و ذهنٍ مستعد، فالإمام الباقر(ع) يقول: «زَكَاةُ الْعِلْمِ‏ أَنْ تُعَلِّمَهُ عِبَادَ اللَّهِ».[3]

    دور الأستاذ في التعليم والتربية

    يستطيع الأستاذ من خلال دوره التعليمي والتربوي، أن يجعل جوَّ الدراسة جذّاباً، وذلك من خلال مراعاة آداب الصف، العلاقة مع الطلّاب، الوقار، امتلاك الدافع، والإجابة عن تَسَاؤُلاتِ طلّابه. هذا الدور مهم جداً، لأنه يمكن أن يُخْرِجَ المجتمع من ظلمات الجهل إلى نور الأمن والطمأنينة والعقلانية والروحانية. عندما يصبح العلم محور الحياة، سيفتّش المجتمع عن الطريق الأمثل للعيش، ويبني ذلك على أساس المعرفة؛ ولهذا نجد عبر التاريخ النُّخبَةَ التي أنارت بصيرة الناس ليعرفوا حقوقهم و واجباتهم كانت من العلماء. ولذا عُدَّ التَطَوُّرُ العِلمِيّ والمَعْرِفِيّ أحد علامات المجتمع المثاليّ.

    نسأل الله عز وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق و أداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم و يجلون أبصارَهم، ويحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة. و نسأل الله أن یُقَوّي روح الإيمان فینا جمیعًا فنسعى لسد حاجة الفقراء، ونسأله التوفيق للمزيد من خشیته و طاعته  والمحبّة له و لأولیائه ونسأله برحمته أن يجعلنا من المتخلقين بأحسن الأخلاق تجاه عباده، ونشكره علی ما هدانا ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                                  آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته

     



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص261، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [2]. البقرة/44.

    [3]. كلينى، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص41، ح3، تهران، دار الكتب الإسلامية، چ چهارم، 1407ق.



    تعليق



    عرض غير العامة