facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 97867
    تاريخ نشره : 5/7/2016 2:38:32 PM

    المعارف الإسلامیّة (177) الإسلام و حقوق الأخلاقی (22)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
    التاریخ: 06.05.2016



                                                                بسم الله الرحمن الرحیم

    الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطیبین الطاهرین و أصحابه المنتجبین.  

    عباد الله أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    من جملة المواضيع المهمّة التي قَارَبَها الإمام زين العابدين(ع) في رسالة الحقوق، حق الزوجين. الذی طُرِحَ في مرحلة صدر الإسلام، أي قبل ألفٍ و أربعمائة عام. و هو ما يدعو إلى التدقيق فيها. لقد قدّم لنا الرسول الأكرم(ص) أرقى التعاليم وأدقّها لِصَوْنِ العائلة وحفظ حقوق الزوجين، ولدينا الكثير من الآيات في هذا المجال في القرآن الكريم، وهو ما يعكس أهمية موضوع العائلة في المجتمع الإنساني، والإسلامي منها على وجه الخصوص. يَخْتَزِنُ هذا التُّراثُ برنامجاً كاملاً لتنظيم بناء العائلة وتبيين قوانينها وأخلاقها. عندما تُبْنى العائلة على أسس تربوية صحيحة، سَيَسير المجتمع بالإتجاه الصحيح، أمّا إذا اختلّ نظام العائلة، فَسَيَسْري ذلك عندها إلى المجتمع، الذي سَيُصاب بِدَوْرِه بالفوضى والفساد، وقد يصل الأمر إلى مرحلة فقدان الهوية.

    لقد وضع الإسلام قوانين رائعةَ تحفظ العائلة من أي انحراف، ولكنّ هذا متوقّف على تطبيق هذه القوانين، وهو ما يتطلّب جِدّيَّةً في التعاطي مع الموضوع، لأن إهمال هذه القوانين عَرّض نظام العائلة للكثير من الأزمات، حتّي وصل الأمر إلى تفكك بعض العائلات، و حرمان الأطفال من عطف والديهم. وهذا يعني أن الطاقات صُرِفَت في الإتّجاه السلبي. طبعاً هناك الكثير من المسائل التي تُطْرَح في هذا المجال، ولكن رعايةً للإختصار، سِنِقْتَصِر على بيان بعض النِّقَاط حول الحديث النورانيّ الذي وردنا عن الإمام زين العابدين(ع) في بيان حق الزوجين حيث قال: «وَ أَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِمِلْكِ النِّكَاحِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا سَكَناً وَ مُسْتَرَاحاً وَ أُنْساً وَ وَاقِيَةً وَ كَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا يَجِبُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى صَاحِبِهِ وَ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ وَ وَجَبَ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ يُكْرِمَهَا وَ يَرْفَقَ بِهَا وَ إِنْ كَانَ حَقُّكَ عَلَيْهَا أَغْلَظَ وَ طَاعَتُكَ بِهَا أَلْزَمَ فِيمَا أَحْبَبْتَ وَ كَرِهْتَ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً فَإِنَّ لَهَا حَقَّ الرَّحْمَةِ وَ الْمُؤَانَسَةِ وَ مَوْضِعُ السُّكُونِ إِلَيْهَا قَضَاءُ اللَّذَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ ذَلِكَ عَظِيمٌ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه‏».[1]

    في زمن مظلومية النساء والتعاطي معهنّ كأدوات، نَطَقَ إمامنا زين العابدين(ع) بهذه الكلمات النورانية الدالّة على جَمَاليَّةَ تعاليم الإسلام وأهل البيت(ع)، التعاليمُ العادلة التي جاء بها جميع الأنبياء وطلبوا من الناس العمل بها، والتي نزلت من مصدرٍ واحدٍ هو الله عز و جل، هذه التّعاليم التي تنفخ الروحَ والحياةَ الحقيقيَّةَ في جسد البشرية، ويشعر الرجل والمرأة والعائلة اليوم أنّهم بِأَمَسِّ الحاجةِ إليها.

    يُعَلِّمُنا الإمام(ع) أن المحبة هي سرّ الحياة العائلية وفلسفتها، وأن المحبة تنشأ مع الرجل والمرأة منذ الصِّغر. هذا من التعاليم الأصيلة في القرآن الكريم الذي يقول لنا: «وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».[2] وهو ما جاء في سورة الأعراف عن السكن والراحة: «هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها‏».[3] هذا السكون والراحة الجسدية والنفسية والفردية والإجتماعية مهمّة جداً بالنسبة للطّرفين، ولبناء العائلة. عندما تُوجَدُ الراحة النفسية سيصبح من السَّهْلِ أداءُ الواجِبِ على أكمل وجه. وهناك إشارة جميلة في الآية إلى المودّة والرحمة بعد السكون. المودّة تَظْهَرُ مع بداية العلاقة، ولكن إذا ضَعُفَت المودّة سَتَبْرُزُ الرحمة. المودّة إحسانٌ مُتبادل، أما الرحمة، فهي نوع من المُبادَرةِ من طرف واحد، وهو ما يعبّر عن تضحيةٍ وإيثار.

    هناك حقوق قانونية و أخرى أخلاقية يجب أن يراعيها رُكْنَا العائلة (الزوج والزوجة). الحقوق القانونية من قبيل النفقة، أي الطعام والمسكن والمَلابِس ... يُضَاف إلى ذلك مراعاة الحقوق الأخلاقية، ليصفُوَ جَوُّ العائلةِ ويصبح مفعماً بالحبّ والمودّة.

    من الأمور المهمة في نظام العائلة أيضاً، توزيع المسؤوليات بين الرجل والمرأة، والإلتزام بالأخلاق الحميدة والإحسان المتبادل، وقد ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَ أَنَا خَيْرُكُمْ‏ لِأَهْلِي».[4] كما رُوِي أن مساعدة الزوجة في الأعمال المنزليّة عبادة، فَعَن رسول الله أنّه قال لعليّ(ع): «يَا عَلِيُ‏ خِدْمَةُ الْعِيَالِ‏ كَفَّارَةٌ لِلْكَبَائِرِ وَ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَ مُهُورُ حُورِ الْعِينِ وَ يَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ وَ الدَّرَجَات‏ ».[5] إحترام الرجل لزوجته و إكرامه لها يبثّ الحيوية والنضارة في العائلة، وعلى الرجل أن يسهّل على زوجته قدر المُستَطاع، فقد جاء في الحديث عن الرسول(ص) أنه قال:  «لَيْسَ مِنَّا مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَتَّرَ عَلَى عِيَالِهِ».[6] كما جاء في حديث آخر أن التطاول على الزوجة معصية لله وللرسول(ص): «مَنْ ضَرَبَ امْرَأَةً بِغَيْرِ حَقٍّ فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تَضْرِبُوا نِسَاءَكُمْ فَمَنْ ضَرَبَهُمْ (ضربهنَ؟) بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَ رَسُولَه».[7]

    نتائج رعاية حقوق العائلة

    من الواضح أن احترام الحقوق المتبادلة التي أكّد عليها الإسلام بين الزوج والزوجة، سَيُخلّص الحياة الزوجية من المشاكل، وقد أوصى إمامنا زين العابدين(ع) في حق الزوجين بأن يسود بينهما السلوك الحسن والمداراة والأنس، وأن يعتبر كلُّ منهما الآخرَ نعمةً كبرى من الله يجب الشكر عليها، عسى أن ندرك المكانة الرفيعة للعائلة.

    نسأل الله عز وجل أن یمنّ علینا جمیعًا بالتوفیق و أداءِ حقِّ مُعلِّميَنا، فهم الذين یحیون أفكارَ تلامِذَتِهم و يجلون أبصارَهم، ويحيون فينا الرغبةَ لفهم المعارفِ الدینیّة و الإسلامیّة. و نسأل الله أن یُقَوّي روح الإيمان فینا جمیعًا فنسعى لسد حاجة الفقراء، ونسأله التوفيق للمزيد من خشیته و طاعته  والمحبّة له و لأولیائه ونسأله برحمته أن يجعلنا من المتخلقين بأحسن الأخلاق تجاه عباده، ونشكره علی ما هدانا ونسأله أن يوفقنا لتعلم كلِّ ما في وسعنا لنعرف سبیل الرشاد والعمل الصالح و هو وليُّ كل توفیقٍ و له الحمد و الشكر علی كلّ النِّعَم.

                                                                                                                  آمین یا ربِّ العالمین

                                                                                                                  والسلام علیكم و رحمة الله وبركاته

     



    [1]. ابن شعبه حرانى، حسن بن على، تحف العقول، ص262، قم، جامعه مدرسين، چ دوم، 1404ق.

    [2]. الروم/21.

    [3]. الاعراف/189.

    [4]. ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص555، ح4908، قم، دفتر انتشارات اسلامى، چ دوم، 1413ق.

    [5]. شعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، ص102، نجف، مطبعة حيدرية، چ اول، بى تا.

    [6]. ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين، عوالي اللئالي، ج1، ص255، ح15، قم، دار سيد الشهداء للنشر، اول، 1405ق.

    [7]. ديلمى، حسن بن محمد، إرشاد القلوب إلى الصواب، ج1، ص175، قم، الشريف الرضي، چ اول، 1412ق.



    تعليق



    عرض غير العامة