Samstag 19. 2012 (Hamburg)
الفجـر 01:38
طلـوع الشمس 05:13
الظهـر 13:17
العصـر 17:34
المغـرب 21:53
العشـاء 23:14
منتصف اللیل 23:29
الصفحة الأصلیّة :: صلاة الجمعة :: المخزن :: 03.02.2012 - معرفة الإسلام (37) الإسلام والعدالة (8)...
التعلیق: 0
الخطیب: مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني

معرفة الإسلام (37) الإسلام والعدالة (8) العدالة الفردیّة مع المخلوقات الإلهیّة والظواهر الطبیعیّة (2)

 

 

بسمه تعالی

الحمد لله ربّ العالمین و الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره ، الحمدالله الذی لا شریك لَهُ في خلقه و لا شبیهَ لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سیدّنا و نبیّنا محمّد صلّی الله علیه وعلی آله الطاهرین و اصحابه المنتجبین.

عبادالله ! أُوصیكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه .

رأینا في الخُطَب الماضیة أنَّ في الإسلام التأكید الشدید علی مراعاة الطبیعة و حفظها لكي لا یحصل الظلمٍ و العدوانٍ علی أيِّ أحدٍ و لا علی أيِّ شئ إذ أنَّ العدالة تتحقّق بذلك في محیط الحیاة الإنسانیّة و حفظ النِّعَم الإلهیّة و لهذا یكون كلّ الناس مسؤلین للمشاركة بالقیام بواجباتهم الآخرین و الطبیعة.

إنَّ في الإسلام لكلّ مخلوقٍ حقوقه المصونة له ، و لذلک یجب علی الإنسان أن یعرفها و یلاحظها و یحفظها و هذا هو الإلتزام بالعدالة تجاه المخلوقات الإلهیّة و لذلك لا یجوز في الإسلام إیذاء الحیوانات أو قتلها أو قطع النباتات من دون سبب و یكون ذلك مسموح فقط إن كان ذلك للدفاع عن الحیاة أو لسدّ الجوع. و یجب علی كلّ أنسان علی سطح الکرة الأرضیّة أن یعمل ما هو صالحٌ للحیاة الإجتماعیّة و الفردیّة كما و أنَّ لحقوق الحیوانات و النباتات قوانینها في الفقه و الأخلاق الإسلامیّة و یجب مراعاتها و حفظها.

جاء في روایة عن الرسول الأكرم (ص) ما محتواه بأنَّ لكلٍّ بهیمة ستّة حقوق علی مالكها یجب أن یحفظها لها و هي أنـَّه حین یصل بها إلی مكانٍ ما و یتوقّف لأيِّ سببٍ ما کان ، فیجب علیه أن یقودها إلی الأعشاب و حین یصل إلی الماء یجب أن یسقیها قبل کلّ شئ و إن بدأت الحیوانات أن تشرب الماء أو أن تأكل الأعشاب فلا یجوز لمالكها أن یضربها بشئٍ علی وجهها إذ أنـَّها تُسَبِّح بحمد الله تبارك و تعالی كما و لا یجوز له أن یبقی جالسًا علی ظهرها إلّا أذا كان ذلك ضروريٌّ للجهاد في سبیل الله جلّ وعلا و یجب علیه أن لا یُحَمِّل الحیوانات بأکثر من طاقتها و أن لا یُطوِّل المسیر بها بما لا طاقة لها.

یُروی أن الرسول الأکرم (ص) أنـُّه رأی جملاً قد شدّ صاحبه الرباط علیه بشدّة فقال للحاضرین أن یُخبروا صاحب ذلك الجمل لِیُحَضِّرَ نفسه لأنَّ هذا الجمل سوف یُخاصِمُهُ یومَ القیامة.

و في قضیّة أخری مشابهة  تُروی عن الإمام الصادق (ع) بأنَّ قافلة من الجمال مرّت علیه و رأی أنَّ ما حُمِّلَ علی إحدی الجمال لم یكن متعادلاً في توزیع الوزن و لذلك وصّی صاحب الجمل للتعامل بالعدل مع ناقته لأنَّ الله تبارك و تعالی یحبّ العدالة.  ([1])

إنَّ العلماء و الفقهاء یذكرون الكثیر من الأحكام و الأصول الإسلامیّة التي یجب أن تراعَی في التعامل مع الحیوانات فلنذكر البعض منها هنا لكي نری الأهمّیّة الكبری لهذا الموضوع الذي نری أنَّ الكثیر منها ما هو ما لا یُقیمُ الناس له وزنه الجدیر به مع الأسف الشدید.

إنَّ قضیّة حفظ حقوق الحیوانات الذي یدورالكلام عنه في عصرنا هذا و في كلّ الحضارات في العالم ، له جذوره في الإسلام الذي جاء قبل ـ 1400ـ ألفٍ و أربَعةَ مِئةِ عامٍ ، فلنتطرّق إلی بعض هذه التعالیم و الآداب الأخلاقیّة التي هي من الناحیة الشرعیّة تشملُ هذا المجال.

إنـّنا نری في التعالیم الدینیّة مَنعِ النوم علی ظهر البهائم لأنَّ ذلك یسبِّب الأذیّة أو الجراحة لظهرها و لیس هذا من عمل العُقَلاء إلاّ إذا كان الإنسان مجبور لسببٍ ما. و جاء في وصیّة تقول للراکب حین ینزل من ظهر الدابّة أطعِم دابّتك من قبل أن تبدأ بالطعام لنفسک لأنَّ دابّتك قد صاحبتك في السفر([2])  

كما و جاء في الأحكام الفقهیّة أنَّ من یسافِر للصید بمجرّد الرغبة و التلذُّذ ، فإنـَّه علی سفر المعصیة كما یعمله الکثیر من المحبّين للدنیا و ملذّاتها و لكن لو ذهب الإنسان للصید لكسب الرزق أو التجارة ، فإنَّ سفره لیست سفر معصیة .([3])

و هنالك الكثیر من الآداب و الأحكام في أسالیب الذبح و منها هو أنّه یُستحبّ عرض الماء للذبیحة قبل ذبحها و إجراء الذبح بما فیه أقلّ الأذیّة للحیوان مثل إستعمال السكّین الحادّة جدًّا وإجراء الذبح بأسرع ما یمكن ، كما وأنَّ الذبح أمام البهائم الأخری هو مکروه مثل ذبح الخروف أمام الخرفان الأخری أو الجَمَل أمام الجِمال الأخری.

حین ندرس سیرة الأئمّة المعصومین (ع) نری ما یدهش الأذهان من تعاملهم بالرفق مع الحیوانات و البهائم كما نری خیر الأمثلة لذلک في سیرة الإمام السجّاد (ع) حیث كانت عنده ناقة قد سافر علی ظهرها ـ 22 ـ إثنان و عشرین مرّة إلی الحجّ و لم یضربها بالسَّوط حتی و لا مرّة واحدة .([4])

إنَّ علماء الدین المسلمین یؤكِّدون علی الرأفة والعدالة في التصرُّف مع الحیوانات و مع النباتات و مع  الطبیعة بصورة عامّة و مراعاة حقوقها كما وصّانا الإمام الصادق (ع) في قوله ما محتواه : « من سقی سدرة فهو كَمَن سقی مؤمنًا عند العطش » و قال في حدیثٍ آخر لا تقطعوا الشجرة المُثمِرَة إذ أنَّ ذلك یجلب العذاب علیكم ، كما و أنـَّه قال أنَّ إسقاط النخلة مكروه. ([5]) 

إنَّ في الإسلام الکثیر من الوصایا لمراعاة القوانین الإلهیّة حتّی في الإستفادة من الماء و الهواء و كلّ نوعٍ من النِّعَم و المنابع الطبیعیّة الأخری و علی المسؤلین أن یستفیدوا منها بالحكمة و العدالة من دون إسراف و إتلاف و علی الإنسان أن یعرف قدرها و یحترم كلّ المظاهر الطبیعیّة و یشكرها للباري جلّ و علا الذي سخّرَها له.

و في ختام الحدیث أودّ أن أوصي كلّ الذین یرغبون في كسب المزید من المعلومات عن الإسلام لیروا الأبعاد المختلفة فیه بدقّة أكثر و أعمق ، أن یسعوا لكسب المعلومات من المصادر الموثوقة و من المُتَخَصِّصین الخُبَراء لیتابعوا التحقیق و یتمتّعوا بفهم معنویّاته بدقّة أكثر.

 فنسأله جلَّ وعلا التوفیق للتعمُّق في خشیته و طاعته  بالرغبة و المحبّة له و لأولیائه علی عتبة رحمته و أن نتعامل بلطف تجاه الآخرین من عباده و أن نحمده و نشكره علی كلِّ ما وهبنا من نِعَمٍ و عطایا وأن نعمل بكلِّ ما في وسعنا لمعرفة سبیل الرشاد والعمل الصالح وهو وليِّ كل توفیق وله الحمد والشكر علی كلّ النعم .

                                                                                    و السلام علیكم و رحمة الله و بركاته



[1]  محمد باقر المجلسي ، حلیة المتقین ص 368

[2]  محمد باقر المجلسی، حلیه المتقین ص 409

[3]  تحریر الوسیله ج ص 461

[4]  الشیخ عباس الفمی، منتهی  الآمال ج ص 46

[5]  محمد باقر المجلسی، حلیه المتقین ص 393