facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 187210
    تاريخ نشره : 5/12/2017 4:14:00 PM

    الإيمان بالمخلّص في الأديان الإبراهيمية

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
     
    12.05.2017 

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين.

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الطالما آمن البشر طوال التاريخ بعقيدة مهمة هي الإيمان بالمخلّص والمصلح العالمي، وهذه عقيدة بثت النشاط والأمل في حياة الناس، ونجدها عند الأديان غير الإبراهيمية كذلك في محاولة لمواجهة اليأس من الحياة والوصول إلى مستقبل مشرق على أساس العدالة. وقد دعا الإسلام، باعتباره أحد أهم الأديان الإبراهيمية إلى الإيمان بالمخلص، حيث يقول الله عز و جل:«وَ لَقَدْ کَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّکْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ»[1] ولهذا فالبشر ينتظرون يوماً ينتهي فيه عجزهم ومصائبهم.

    لقد كانت النجاة بمعنى الخلاص من الوضع السيء أو الخلاص من الظلم إحدى السنن الإلهية التي ذكرها القرآن الكريم عن بعض الأنبياء، كنجاة نوح عليه السلام من الطوفان الكبير[2]، نجاة لوط من المدينة التي مارس رجالها الفاحشة[3] و نجاة بني إسرائيل من سطوة فرعون[4] و ... و يستفاد من هذه الآيات أن الأشخاص الذين كان لديهم قابلية الحياة بطهارة نجوا، وهلك من سواهم. والقرآن يقول لنا إن النجاة هي من الحقوق المسلّمة للمؤمن: «كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ».[5]

    إن الإيمان بالمخلّص موجود في الكثير من الأديان، من "سوشيانت" الموعود في دين زراتشت، إلى الماشيح الموعود عند اليهود، إلى المسيح المنجي عند المسيحية، و إمام الزمان عند المسلمين. و ينقل الإنجيل نبوءة عن السيد المسيح عن آخر الزمان فيقول إن العالم سيكون في حالة حرب و قحط و وباء و زلازل، وسينفر الناس من بعضهم البعض و تُظلم الشمس ويفقد القمر نوره و تتساقط النجوم من السماء.[6]

    لا بد من الإشارة هنا إلى أن النجاة تختزن ثلاثة أركان ضرورية:

    1ـ رفض الوضع الموجود

    2ـ ارتقاب التحول إلى الوضع المطلوب بمساعدة المنقذ

    3ـ الطرق المؤدية إلى تحوّل الوضع الموجود إلى الوضع المطلوب

    سنتعرض في هذا القسم لليهودية والمسيحية والإسلام لكي تتضيح لدينا فكرة المخلّص والمصلح العالمي كوعد إلهي قطعي.

    عقيدة الماشيح[7] عند اليهود وكذلك الوعد الإلهي لليهود من العقائد المهمة جدا عندهم. يقولون إن الوعد الإلهي بظهور الماشيح المخلص يحصل بعد تهيئة الظروف المناسبة، وهناك البعض ممن يعتبر أن هذا يحدث عندما يكون اليهود في عصرهم الذهبي، بينما يعتبر البعض الآخر أن ظهور المخلص مقدمة لهذا العصر. تُعتبر عقيدة المخلص عندهم أنها تؤدي إلى الشعور بالأمل بتحقق الوعد الإلهي، والصبر على المصاعب، بث الفرح و الشعور بالوحدة القومية، والتشجيع على الإلتزام بالأحكام الشرعية. من مواصفات الماشيح أنه متواضع من ذرية داوود ولديه قوة عالمية و من مواليد بيت لحم، شريف النسب و من سكان المدينة.[8]

     

    هناك عدة نقاط مسلمة في عقيدة المخلص عن المسيحيين:

    1ـ الخطيئة الأولى 2ـ الهبوط بتفسيره المسيحي 3ـ الموت وهو فقدان الإنسان لمقام الروح بعد نزوله إلى الأرض ووقوع في أسر الدنيا وانتهاء الحياة فيها. 4ـ الفداء وهذا يعني أن الإنسان بحاجة إلى التضحية قبل الأسر، ولذلك يعتبر فداء عيسى عقيدة. 5 ـ التجسد، بمعنى أن الله أعطى ابنه جسماً بشرياً وأرسله إلى الأرض ليخلص الإنسان.

    أما بالنسبة لمواصفات المخلص الموعود التي اختص بها المسيحيون فهي عبارة عن عودة عيسى عليه السلام مرة أخرى لإنقاذ البشر، وليحقق أهدافا كقبول المؤمنين وإقامة العدل ومكافئة المستحقين وإنقاذ البشرية، وفصل القضاء بين الأمم وتحريرها وإقامة الملكوت.

    أما بحسب الدين الإسلامي فالمخلص سيأتي لتحقيق العدالة وهداية الناس إلى الصراط المستقيم. وهناك أوصاف و خصائص كثيرة ذكرت في روايات السنة والشيعة عن المخلص المهدي عجل الله فرجه.[9]

    منها 1ـ شبهه برسول الله صلى الله عليه وآله 2 ـ جمال الوجه 3 ـ مراوحة ظاهره في الشبه لشخص عمره بين الثلاثين والأربعين 4ـ القامة الرشيدة والوجه الشديد النورانية. وهو سيأتي ليعلم الناس الحكمة و يحقق العدالة بمعناها الواقعي بحيث لا يبقى أحد إلا و حصل على حقه، كما قال الإمام الباقر عليه السلام: « اذا قام قائمنا فانه يقسم بالسوية و يعدل فى خلق الرحمن البرّ منهم و الفاجر»[10] وقال عليه السلام « يبلغ من رد المهدي المظالم؛ حتى لو كان تحت ضرس إنسان شيء انتزعه حتى يرده»[11]. في الواقع سيكون ذلك العصر ذهبياً للبشرية ولن يواجه أحد أي موانع من تحقيق كماله، طبعا قد يكون هناك البعض من الذين لا يستفيدون من هذه الظروف لبلوغ كمالهم، لكن المهم هو تحقق الأرضية المناسبة للوصول إلى حقيقة التوحيد والعبودية لله تعالى، وهذا من الوعود الإلهية القطعية، حيث قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»[12].

    كما أن الإمام الباقر عليه السلام يقول إن التحقق الكامل لهذه الآية سيكون في عصر ظهور المخلص والمصلح العالمي، حيث سيتحقق النصر الحاسم الذي وعد الله به مع قيام المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله.[13]

    من خصائص عصر الظهور كذلك انتشار الرحمة، وهي ما بُعث من أجله النبي صلى الله عليه وآله حيث قال: «انما بُعثتُ رحمة» و وكما أكدت الآية الشريفة: «وَ ما اَرْسَلْناكَ اِلّا رَحْمَةً لِلعالَمينَ.» ستتحقق الرحمة الإلهية عند ظهور هذا المخلص «وَ هَبْ لَنَا رَأْفَتَهُ وَ رَحْمَتَهُ وَ دُعَاءَهُ وَ خَيْرَهُ مَا نَنَالُ بِهِ سَعَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَ فَوْزا عِنْدَكَ».

    و إن اللسان والبنان لقاصران عن التعبير عن مدى محبة حبيب البشر ذاك ولطفه ورحمته، فهو كما قال الإمام الرضا عليه السلام: « الامام الأنيس الرفيق، و الوالد الشفيق، والأخ الشقيق، و الأم البره بالولد الصغير و مفزع العباد فی الداهيه الناد»[14].

    لكن عندما يصل الأمر إلى منع الحق عن أصحابه أو ظلم الناس والحؤول دون قيام العدل ونشر الحكمة والمعرفة، فسيكون موقف المخلص موقف الصامد المقاوم، كما كان الأنبياء عليهم السلام الذين صبروا في مقابل القوة والمال والتزوير ولم يتراجعوا أبداً: « فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ مَنْ تَابَ مَعَكَ»

    المخلّص في الإسلام هو المعصوم والإمام الرؤوف الذي يحمل في قلبه آمال وأفكار جميع أنبياء العالم وصلحائه.



    [1] . انبیاء/ 105

    [2] . یونس/73 : «فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا...»

    [3] . انبیاء/ 71،74، 75:«وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ» ،«وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثََ...» ،«وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ»           

    [4] . «وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ...»

    [5] . یونس/103

    [6] . انجیل متی، باب24، آیه 1 تا 6

    [7]. واژه «ماشیح» کلمه عبری و معادل واژه فارسی «مسیحا» است. ماشیح به معنای مسح شده یا تدهین شده به روغن مقدس می باشد و معرب آن«مسیح» است.

    [8] . ناس، جان، تاریخ ادیان، ترجمه علی اصغر حکمت، ص 551. گرینستون، جولیوس، ترجمه حسین توفیقی، انتظار مسیحا در آیین یهود، ص 67.

    [9] . صلاح، کمال الدین، ج2، ص408 یا مترجم ج2. ص118

    [10] . رسائل الشیعه، ج9، ص282

    [11] . حیات الامام المهدی، ص 286

    [12] . توبه/ 33

    [13] . مجمع البیان، ج5، ص 37

    [14] . الغیبة للنعمانی، ص218


    تعليق



    عرض غير العامة