facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 187331
    تاريخ نشره : 5/19/2017 11:01:00 AM

    الحياة الدينية 13

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد آیة الله الدكتور رضا الرمضاني
     
    19.05.2017 

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    عندما يتعرف الإنسان على الدين جيداً ويعمل به، سيشهد فوائده وآثاره في حياته الفردية. من جملة هذه الآثار، الشعور بحالة روحية جميلة وطمأنينة، تجعله أقوى في مواجهة مصاعب الحياة، وبالتالي تعزّز صموده في ميدان العمل، وهذا ما تطلبه الحياة الدنيا للعبور منها بسهولة.

    طريقة التعاطي مع أحداث العالم المادي

    من المهم أن يعرف الإنسان أن الحياة الدنيا تتصف ببعض الخصائص. منها أن الدنيا دار التضاد، إذ لدينا الحياة والموت، الفقر والغنى، اللذة والألم، الصحة والمرض، السعادة والشقاء... وغيرها من المسائل. ولا خيار أمامنا سوى التعايش مع هذه الحالات، ولذا من الضروري التعرف على طرق التعاطي معها.

    من الواضح أن كل مدرسة فكرية تسعى لتقديم تفسيرها لهذه الحالات، الطبيعي منها وغير الطبيعي، وتقدّم بعد ذلك طرق التعاطي معها.

    الرؤية الكونية تتصدى لهذه الأمور بدقة. تبيّن للإنسان الأهداف السامية وطرق الوصول إلى هذه الأهداف. توضح له الأوامر والنواهي، وتربّي الإنسان على تحمّل المسؤولية. عندما يجد الإنسان من يبيّن له أهدافه ويعلمه على طرق الوصول إليها سيشعر بحالة من الشوق والنشاط والسرور، ويبدي استعداداً للتضحية، لأنه حصل على الطمأنينة العقلية والروحية.

    لاشك أن الرؤى الكونية العلمية البحتة أو في الفلسفية البحتة لا يمكنها ملأ هذه الفراغات. بينما تؤدي الرؤية الكونية التوحيدية الإلهية هذا الدور على أكمل وجه وتشرح للإنسان العلاقة بين الحالات المتضادة لكي يتمكن من عبور هذه الحياة بنجاح.

    أفضل رؤية كونية

    لا شك أن أفضل رؤية كونية هي تلك التي تبنى على أسس منطقية مُستدلة، وتعطي معنى لحياة الإنسان، وتترك لديه شعوراً بالنشاط والحيوية والشوق. كما أنها تقدم تفسيراً معنوياً روحياً ومقدساً للحياة، فردية كانت أم إجتماعية، بحيث تساعده على فهمها في العمق.

    من صفات الرؤية الكونية الجيدة أيضاً أن تكون سهلة يفهمها الجميع، ويدرك على أساسها أنه مكلّف ببعض الأمور. كما أنها تبيّن للإنسان الهدف من الحياة دون أي إبهام.

    يؤمن المسلمون أن الأنبياء عليهم السلام أدوا هذا الدور على أكمل وجه، حيث بيّنوا للناس الهدف والطريق إليه. لقد ساعد الأنبياء الإنسان على فهم نفسه في الدرجة الأولى، بكامل أبعادها، والأنبياء أول المفسرين للكتب السماوية، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏».[1] و لا شك أن هذا الكتاب يعرف الإنسان على نفسه ومقامه كما قال تعالى: «لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاتَعْقِلُون».[2]

    مميزات الرؤية الكونية الإلهية

    تتحلى الرؤية الكونية الإلهية بالجاذبية والحب لخالق الوجود، وتتيح للإنسان فرصة كبرى لفهم الحياة بعمق، لتزداد رونقا وتنفتح آفاقها أمامه، وهي رؤية تخرجه من حالة الذل والضياع وتقدم له طرقاً جيدة بحيث لا يشعر بأنه أمام طرقً مسدودة.

    فإذن اتضح لدينا أن الرؤية الكونية الإسلامية تستطيع الإجابة عن أسئلة الإنسان في شتى المجالات لأنها منبثقة عن الوحي، ولهذا يقول الشهيد العلامة مطهري متحدثا عن أفضل رؤية كونية: "إن الرؤية الكونية الأفضل هي تلك التي تستطيع تأدية دور الداعم والملهم بالنسبة لمنظومتها العقائدية. في كل منظومة عقائدية مثلا هناك مفاهيم مشتركة هي العدل والمساواة والحرية والحق والسلام وغير ذلك، ولكن علينا أن نبحث عن الرؤية الكونية التي تستنبط هذه المعاني وتستخرجها من أعماق الوجود، وتعتبر بذل الجهد على طريق الحق والعدل والخير والصلاح منسجماً مع قانون الخلق ومسيرته، وتعتبر الظلم والإعتداء نوعاً من الإنحراف والسقوط والفساد".[3]

    ويصرح الشهيد في مورد آخر أن الرؤية الكونية الإسلامية تحمل في طياتها جميع معايير رؤية كونية ممتازة و كاملة، فيقول: "إن الرؤية الكونية التوحيدية، تعني إدراك انبثاق العالم عن مشيئة حكيمة، والرؤية الكونية التوحيدية تعني أن العالم أحادي القطب أحادي المحور.

    الرؤية الكونية التوحيدية تعني أن ماهية العالم نشأته من الله ورجوعه إلى الله[4]، وأن موجودات العالم تتكامل باتجاه واحد و نحو مركز واحد وفق نظام منسجم.[5]

    ويبقى السؤال: هل يستطيع الإسلام كرؤية كونية توحيدية أن يدل البشر على طريق الخروج من عذاباتهم و آلامهم؟



    [1]. النحل/44.

    [2]. الانبیاء/10.

    [3]. مطهرى، مرتضى، يادداشتهاي شهيد مطهري، ج‏2، ص364، تهران- قم، صدرا، چ اول‏،1378ش‏.

    [4]. البقرة/156.

    [5]. همان، جهان بینی توحیدی (مجموعه آثار شهيد مطهري)، ج‏2، ص83، تهران- قم‏، چ هشتم‏، 1377ش.‏


    تعليق



    عرض غير العامة