facebook RSS أرسل إلى صديق طباعة تخزين نصي الإخراج خرج PDF
    قانون : 188366
    تاريخ نشره : 7/15/2017 10:00:00 AM

    العائلة في القرآن الكريم 36 (الحاجة الى الإحساس بالغنى والثروة)

    الخطیب: مقامة مِن قِبَل حجة الإسلام و المسلمین الترابي

     بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا ونبيّنا محمّد صلّ  ی الله عليه وعلی آله الطاهرين واصحابه المنتجبين. 

    عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهیه.

    يقول الله الحکیم فی محکم آیاته. أعوذ بالله من الشیطان الرجیم:

    "الْمالُ وَالْبَنُونَ زینَةُ الْحَیاةِ الدُّنْیا وَالْباقِیاتُ الصَّالِحاتُ خَیْرٌ عِنْدَ رَبِّکَ ثَواباً وَخَیْرٌ أَمَلاً"

    ايّها الإخوة والأخوات في الخطب السابقة أن نتناول واحدة من الإحتياجات العاطفية التي يجب أن تعمّ محيط الأسرة لتعيش السعادة والسكينة ولتربّي الأجيال الصالحة السائرة على طريق الحق، لذا سيكون حديثنا اليوم عن حاجة جديدة بعنوان الإحساس بالغنى والثَروة.

     كلّ انسان يَنشَدُّ فطرياً نحو الغنى والثَراء، ويَنفُر من كلّ فقر وعَوَز، لان هذا الاحساس يعطی الانسان التوازن والإعتدال في الحياة وعلى العكس من ذلك، فان فقدان هذا الشعور يؤدّي بالانسان الى حالة من الاضطراب واللااستقرار حتى يؤولَ به الامر وتُسلَبَ منه القدرة على  قول الصواب واظهار الحجة في الرأي.

    ومن اهم الآثار الإيجابية لهذا الاحساس:

    - عزّة النفس: من يمتلك هذا الاحساس يجد في اعماق نفسه الثَبات والاطمئنان الداخلي مما يولّد عزّة بالنفس والبعد عن الانهزام الروحي، لذا ورد عن النبي الاكرم (ص): " خير الغنى غنى النفس".

    - الثقة بالنفس: هذا الاحساس يمنح الانسان القدرة على الحركة  والجرأة على الاقدام  و ركب المَخاطر وتحقيق الاهداف بكل ثقة واعتزاز.

    وعلى العكس من ذلك، فان موت هذا الاحساس في نفس الانسان يُشعره بحقارة نفسه وعدم الثقة بالقدرة على تحقيق اي عمل يرنو اليه مما يؤول به الامر الى الانزواء والابتعاد عن معترك الحياة ويخرجه عن جادة الصواب. وهذا هو الاحساس بالفقر والعوز بعينه، لذا ورد في الروايات " كاد الفقر ان يكون كفرا".

    فان من بركات هذا الاحساس أنّه ينعكس على ظاهر الانسان، فمن كان يحس بالغنى من داخله يراه الناس غنياً عزيزاً وإن كان في الواقع محتاجاً، وهذا القران الكريم يصوّر لنا حال هؤلاء بأدقّ تعبير "يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً"، ومن كان يشعر بالفقر في نفسه يُرى فقيراً بائساً ذليلاً ولو مَلَك ما ملك. عن أمير المؤمنين (ع):" مَن قَنَعَت نَفسُهُ عَزَّ مُعسِراً"، بمعنى من كانت نفسُه قانعةً عاش عزيزاً وإن كان حقيقةً فقيراً من ناحية المادية، ويقول أيضاً :" مَن شَرِهَت نَفسُهُ ذَلَّ مُوسِراً"، يعني من كان يحس الفقر والعوز من داخله عاش ذليلاً وان كان ميسور الحال وصاحب ثروة. فإذاً الغنى والفقر الحقيقيّين شعورٌ واحساسٌ في قلب الانسان، فعن الحبيب المصطفى (ص): " الغنى في القلب والفقر في القلب".

    ومن الطبيعي جدّاً ان تكون الأسرةُ المكانَ الأمثل لوهب هذا الحس وإعطائه للاجيال الصاعدة، باعتبارها المهد الأوّل الذي يَربَى بين أحضانها الطفل ولتمنحَ الحياةَ إنساناً يعيش عزة النفس والثقة بها.

    والسؤال الذي يَطرح نفسه، ما هي رؤية الاسلام للثروة وامتلاك الاموال؟ هل أنّ الاسلام مخالف وضد امتلاك الثروة؟ ام يؤيد إمتلاكها لكن ضمن مقاييس وحسابات محدَّدة؟ ام انه ينتهج طريق الاعتدال فيجمع بين الغنى المعنوي الى جانب المادي؟

    تعتبر كلمة "مال" في القران الكريم رمزاً من رموز الغنى والثروة، لا بل يعتبرها زينة الحياة الدنيا "الْمالُ وَالْبَنُونَ زینَةُ الْحَیاةِ الدُّنْیا"، فالمال يمثّل القوة الاقتصادية للحياة والبنون القوة البشرية لها، فيشكّلان معنا عصَبَي الحياة التي لا تقوم بدونهما، فوجودهما ضروري لتحقيق ايّ هدف.  ومن وجهة نظر الاسلام هناك ثروةٌ ممدوحة وثروة مذمومة.

    - أمّا الممدوحة: كما یدعو القرانُ الكريم على تحصيل الآخرة واكتساب المعنويات، يحثّ على عدم ترك امتلاك الثروة: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا". "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ".  في رواية عن الإمام الصَّادق (ع)، يقول له أحدُ أصحابه: والله إنَّا لنطلب الدّنيا ونحبّ أن نؤتاها، فقال له الإمام(ع): "تحبّ أن تصنع بها ماذا؟"، فقال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها، وأتصدَّق بها، وأحجّ وأعتمر، فقال له الإمام (ع):"ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الآخرة".

    - أمّا الثروة المذمومة: هي التي تمنع الانسان من الوصول الى كماله، وتمتلكه بدل ان يكون هو مالكها، وتهيمن على قلبه وعقله وتصبح حاجباً بينه وبين الحق تبارک و تعالى. يقول الله سبحانه: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ".

    فأذاً الميزان الذي على اساسه تحدّد الثروة من وجهة نظر الاسلام  ممدوحة او مذمومة، هو الاتجاه والطريق الذي يتمّ استخدامها فيه، فإذا اُنفقت في سبيل الله والدين وخدمة عباده والمجتمع فهي ممدوحة ومرغوب فيها، اما اذا كانت باعثَ تكبّرٍ واستعلاء وفساد في الارض فهي مذمومة ومرغوب عنها "یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا لا تُلْهِکُمْ أَمْوالُکُمْ وَلا أَوْلادُکُمْ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَمَنْ یَفْعَلْ ذلِکَ فَأُولئِکَ هُمُ الْخاسِرُونَ المنافقون".

    لذا علینا ان نربّی اولادنا علی هذا الحس، و هو الشعور بالغنی المعنوی الی جانب الثروة المادیة و ان لایطغی جانب علی جانب الاخر. فعندما نقع فی مشاکل المادیة علینا ان لاننقلها الی اذان اطفالنا لیحسّوا بالضعف فنخلق عندهم عُقَداً نفسیة تُوثّر علی مسیرهم فی الحیاة.

    واخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين


    تعليق



    عرض غير العامة