facebook RSS ارسال به دوستان نسخه چاپی ذخیره خروجی متنیخروجی متنی خروجی PDF
    کد خبر : 258440
    تاریخ انتشار : 8/6/2019 2:07:42 PM

    أوصاف المتقين (16)

    خطبة صلاة الجمعة لسماحة حجة الإسلام الدكتور مفتح

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: أوصاف المتقين (16)

    الفضیلة الثالثة عشر: الزهد في الدنیا

    - "حَاجَاتُهُمْ خَفِیفَةٌ".

    بالرجوع إلى كلام أمير المؤمنين (ع) فإنّ أحد فضائل أهل التقوى أنّهم من أهل الزهد في الدنيا, فلا يتوقون إلى نعيم الدنيا بل يفرّون منه. وهذا الزهد والابتعاد عن النعم الدنيوية له مرتبتان:

    المرتبة الأولى: الزهد المقترن بالشوق إلى الدنیا

    يقوم الإنسان الزاهد في هذه المرتبة بإغماض عينيه عن الدنيا ومتطلباتها المحلّلة في الوقت الذي تتوق نفسه إلى الدنيا شوقا. فالإنسان في هذه المرتبة وعلى رغم تعلقه بالدنيا ونعيمها يختار طريق القناعة والزهد من أجل الوصول إلى نعمة أعلى, وهذا الهدف الأسمى يكون نفس مرضاة الله والاقتراب منه عند الأشخاص المؤمنين, أمّا عند غير المؤمنين من قبيل المرتاضين, فهدفهم يكون بتقوية إرادتهم والإتيان بأعمال خارقة للعادة. هذا ولدى كلٍّ من هاتين المجموعتين من الأشخاص, فإنّه يوجد طرفان يرجح أحدهما على الآخر عند المقارنة والمفارقة بينهما.

    كما أنّه ومن المؤكد أنّ هذه المرتبة من الزهد والقناعة في الاستفادة من النعم الدنيوية وعدم الإسراف والتبذير ترجع إلى الفضائل الأخلاقية, وتحتاج إلى همّة وإرادة عالية. فالإنسان يكون في حالة طلب زائد على الدوام, كما أنّ النفس التي لم يُزكيها الإنسان لن تقنع بأيّ حدّ على الإطلاق. يقول النبي الأكرم (ص) عن هذه الصفة عند الإنسان:

    - "لَوْ کَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادیَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَی وَادِیَاً ثَالِثاً وَلَا يَمْلَأُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ"[1].

    المرتبة الثانية: الزهد من دون شوق إلى الدنیا

    لا يوجد طرفان أساساً في هذه المرتبة من الزهد والابتعاد عن الدنيا حتّى يتمّ ترجيح أحدهما على الآخر عند المقارنة والمفارقة بينهما, فيتم صرف النظر عن النعم الدنيوية من أجل الوصول إلى هدف أعلى وأسمى حيث لا يوجد سوى طرف واحد ألا وهو الله!

    يتفق معنا أحيانا أن نمر من أمام مطعم فيه أطعمة متنوعة وشهية, ويحصل لدينا رغبة وشوق في تناول هذا الطعام, ولكن وبسبب أنّنا صائمون أو لعدم حلية الطعام نجاهد أنفسنا ونزهد به ونمتنع عن تناوله, ولكن عندما نمر بجانب النفايات لا يحصل لدينا رغبة وشوق للأكل من الأساس حتّى نغض الطرف عنها من أجل الوصول إلى الهدف الأسمى. فالزهد والابتعاد عن النفايات يكون بهذا المعنى من أنّنا لا نرى لها قيمة حتّى نغضّ الطرف عنها ونشقى ونجاهد أنفسنا لذلك.

    إنّ نسبة الدنيا مع الله عند الإنسان العارف بالله هي نسبة الوجود مع العدم. فعند أهل التقوى الدنيا ليست في مستوى النفايات وحسب, بل ليست بشيء أساساً حتى يشتاق الإنسان إليها. فالمتقون لا يشاهدون شيئاً غير الله من الأساس حتّى يتوقون إليه أو ينأون عنه ويزهدون به «لَیْسَ فِي الدَّارِ غَیْرُهُ دَیَّارٌ!», فيجب طلب الوصول إلى هكذا رؤية ونظرة للواقع من الله, حتّى يرى الإنسان حقيقةً أنّه ليس هناك من شيء سوى الله.

    لقد ورد الحديث عن هذا المقام في كلام الإمام الصادق عليه السلام. ينقل أحد الأصحاب أنّ الإمام سأله: 

    - "أَيُّ شَيْءٍ اَللَّهُ أَكْبَرُ؟ فَقُلْتُ اَللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ وَكَانَ ثَمَّ شَيْءٌ فَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ؟ فَقُلْتُ وَمَا هُوَ؟ قَالَ اَللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ"[2].

    يُصوّر القرآن الكريم اغترار الإنسان بالنعم الدنيوية وغفلته عن كونها مؤقتة وغير دائمة بهذا الشكل:

    - {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[3].

    يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}[4].

    المتّقون يبصرون الحقيقة, ومن أبصرت عيناه حقائق هذا العالم, سيجد النعم الدنيوية أمامه كوجه ماء البحر خالية من أيّ مضمون مضافاً إلى أنّها زائلة.

     

    والحمد لله رب العالمين

     

     



    [1] صحیح مسلم: الحدیث 1048.

    [2] (الكافي؛ ج 1، ص 118.

    [3] سورة يونس, الآية 24.

    [4] سورة الأنفال, الآية 29.


    نظر شما



    نمایش غیر عمومی
    تصویر امنیتی :