facebook RSS ارسال به دوستان نسخه چاپی ذخیره خروجی متنیخروجی متنی خروجی PDF
    کد خبر : 258443
    تاریخ انتشار : 8/6/2019 2:14:59 PM

    أوصاف المتّقين (19)

    خطبة صلاة الجمعة لسماحة حجة الإسلام الدكتور مفتح

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

     عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

    الموضوع: أوصاف المتّقين (19)

    الفضیلة السادسة عشر: الهروب من الدنيا

    - "أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا".

    لقد تحدثنا سابقاً عن الدنيا, وبيّنا أنّ المذموم منها هو تعلق القلب فيها وأن يصبح أسيراً للذاتها وطيباتها الزائلة والعابرة, لا الاستفادة من الإمكانات الدنيوية لعبادة الله وخدمة عباده.

    يقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته للإمام الحسن والحسين عليهما السلام:

    - "أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ، وأَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا، وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا"[1].

    إنّ وصية أمير المؤمنين (ع) لأبنائه حول عدم الانخداع بالدنيا هي نفس مقام الزهد الذي تُشير إليه الآية القرآنية {لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}[2], فالذي لم يتحسّر على ما مضى ولا يكون فرحا بما سيأتي يكون قد راعى جميع جوانب الزهد. ذلك أنّ المالك الحقيقي هو الله, وما يذهب من أيدينا لا يستدعي القلق, فهو الذي أعطى وهو الذي يأخذ, كذلك لا يجب أن تذهب السعادة بالإنسان خارج المسار الطبيعي حيث يغلب عليه الفرح ويبتعد عن الله.

    فالزهد يكون بمعنى البساطة في الحياة وقطع التعلّق المفرط بالدنيا بالإضافة إلى الاهتمام بما بعد الدنيا والآخرة. جميعنا لدينا استعدادات نُحبّها ونتعلّق بها. وعلينا أن نرى حدود هذه العلاقة. ففي حال وظّفنا هذه الاستعدادات لرفع المستوى الأخلاقي والنفسي والسير التكاملي فستكون العلاقة بالاستعدادات المادية عين العلاقة والارتباط بالآخرة ومع الله وستتواءم مع الزهد أكثر. ولكن في حال وقف التعلّق بالمال والمنصب الدنيوي وسائر العناوين مانعاً أمام التكامل المعنوي للإنسان فهذا هو حب الدنيا الذي يكون رأس كل خطيئة, ويتنافى مع الزهد الإسلامي.

    الزهد لا يعني فقدان المال والثروة أو عدم حيازة عنوان ومنصب. فعندما لا يمتلك الشخص شيئاً لا يصدق موضوع الزهد في حقّه أيضاً. بل يصدق الزهد في حالة استفادة الشخص من الإمكانات المادية, ولكن من دون أن يكون لديه توجه وارتباط استقلالي معها, فيأخذ هذه الإمكانات على أنّها وسيلة لرشده وتكامله والوصول إلى القرب من الله سبحانه.

    إنّ طلب الدنيا والتعامل معها بشكل استقلالي سيقود الإنسان نحو مشكلة التباهي. فكم اتفق لأشخاصٍ عديدين أن ساروا ومنذ بادئ الأمر في طريق الحق وقضوا سنوات عديدة من أعمارهم في الطريق الإلهي الصحيح, ولكنّ تعلق القلب بالدينا في نهاية المطاف والانزواء عن الحق للدنيا حرمهم من السعادة المقترنة بالحق. يُشير أمير المؤمنين (ع) في خطبة الشقشقية إلى هذا القبيل من الأفراد ويقول في بيان حالهم:

    - "فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ  عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ"[3].

    - "فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الْأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)".

    - "بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا!".

    لقد خدعت الدنيا هذه الفئات الثلاثة القاسطين والمارقين والناكثين حسث جعلت قدرتهم وحياتهم الدنيوية في قبال أمير المؤمنين. فالذين قد قاتل البعض منهم في ركاب رسول الله (ص) لسنوات عديدة, وكانوا في عداد أصحاب أمير المؤمنين (ع), ولكن وبمجرد أنّ واجههم الإمام (ع) بعدله ووقف أمام طلباتهم غير المحقّة سلّوا سيوفهم في وجه أمير المؤمنين (ع). وهنا قام أمير المؤمنين بإبداء نظره عن الدنيا والسلطة عندما قال:

    - "أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَلا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ!".

    وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم فإنّ طلب الدنيا والغرق في الحياة الدنيوية وتعلّقاتها, ستجرّ الإنسان إلى الفسق والخروج من دائرة التديّن:

    - {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[4].

    وفي الأخير فإنّ الشيء الذي يكون مقلقاً للإنسان أكثر من أيّ أمرٍ آخر أن يجهل غرقه في طلب الدنيا والرضوخ إليها. ففي هذه الحالة يخال له أنّه يسعى نحو الله ويسير قدماً للآخرة, في الوقت الذي يكون غارقاً في عالم الدنيا. يقول القرآن في حقّ هؤلاء الأفراد:

    - {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا؛ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}[5].

                              
                                                              والحمد لله رب العالمين


    [1] نهج البلاغه،الرسالة47.

    [2] سورة الحدید:الآية23.

    [3] نهج البلاغه، الخطبة 3.

    [4] سورة التوبة: الآية ۲۴.

    [5] سورة الکهف:الآية 103-105.


    نظر شما



    نمایش غیر عمومی
    تصویر امنیتی :